الأرشيف

مسجد أم مدرسة؟

[جريدة القبس 24/5/2022]

أرسل لي أحد الأصدقاء مَقْطَعاً مصوّراً لأحد المواطنين من اليمن الشقيق، يتحدّث فيه عن أزمة حقيقية نعاني منها في عالمنا العربي، تتعلّق بقصور واضح عن فهم واستيعاب دور المؤسسات الدينية عندنا.
يتحدّث الأخ اليمني عن أن التخلّف عن إرساء قواعد وأسس الأخلاق، والذي طالما اتهمنا به الغرب، هو في الحقيقة تخلّف فينا وفي وعينا وقدرتنا على التعامل بشكل منطقي وعقلاني وعملي مع شروط بناء أي مجتمع بشري قائم على الأخلاق والمُثُل العليا، فنحن من أسرف في التركيز على هوامش الأمور، حتى أصبَحَت غايتنا الأخلاقية في الفصل بين الجنسين وتحريم الموسيقى وتجريم الغناء والرسم وكافة أشكال الفنون، حرّمنا كل شيء حتى الصور الفوتوغرافية، ثم يتساءل الأخ اليمني ويطرح سؤالاً طالما سأله كل واحد منا: “ما الذي أنتجناه نحن للمعرفة البشرية؟”. هؤلاء الناس في أوروبا، الذين نقول عنهم إنهم منحرفون وضالون لأن المرأة تكشف شعرها وتكشف عن جزء من يديها وساقيها، هؤلاء هم من يصنع لنا كل شيء حتى على مستوى اللقاحات ضد الأمراض. منتجاتهم تَثبت أن قِيَمهم وأخلاقهم أفضل منا. بالتأكيد أن الذي اكتشف البنسلين أفضل للبشرية. ما الذي أنتَجَه لنا مشايخ الدين بخلاف مؤلفات مطوّلة عن نواقض الوضوء والاستنجاء؟ حتى ان أحدهم ألّفَ ثلاثة عشر مجلداً بحجم كبير عن الطهارة. ويتساءل الأخ اليمني هنا: “ما فائدة كل هذا للبشرية؟”، وإذا كان هنالك من يعتقد بأهمية التبحّر في مثل هذا العلم، فليقرأه لنفسه، لكن أن تقوم الدولة باستخدام أموال الضرائب التي يدفعها المواطن لتلقين الطلبة وتعليمهم كيفية الوضوء، فذلك ليس بدورها. فالدولة ليس من مسؤوليتها أن تُدخِل الناس الجنة، بل وظيفتها أن توفّر حياة كريمة مرفّهة للناس على الأرض. ومن أراد أن يدخل الجنة فَليَصرِف من جيبه هو لا من جيب الدولة وأموال الضرائب التي يدفعها المساكين، ثم يسترسل في قوله بأنه في اليمن وحده أكثر من 300 ألف جامع، لكن لا يوجد فيه مركز بحث علمي واحد. هذه الجوامع احتضَنَت متصارعين سياسياً من الحوثيين والإخوان والسلف، والمشكلة أن الدولة هي من يُنفِق على هذه المساجد من أموال مواطنيها.
ثم يختم بأن الدولة يُفتَرَض أن تعلّم الناس الطب والعلوم والفيزياء والكيمياء، ولكن ليس من مهام الدولة أن تُعلّم المواطن كيفية الوضوء.
قد لا يكون هذا الأخ اليمني قد أضاف جديداً هنا، لكن عفوية حديثه وصدقه جعلا المقطع متداولاً بشكل منقطع النظير، وكما لو أن الناس باتوا بحاجة إلى أصوات محايدة وموضوعية تتناول مسألة المتاجرة بالدين على حساب حاجات المواطن الأخرى من تعليم وصحة وغيرهما.
لقد تبدّلت احتياجات المسلمين اليوم، وتغيّرت عما كانت عليه أيام الرسول c والمراحل اللاحقة. فبناء المسجد في ذلك الزمن كان لحاجة حقيقية لذلك حثّت عليه الأحاديث والروايات النبوية، لكنه اليوم قطعاً لم يعد كذلك، ولو أجرينا حسبة بسيطة في أي بلد إسلامي لنسبة المساجد إلى تعداد السكان، لوجدنا أنها تفوق الحاجة الحقيقية، بينما لو أجرينا القياس نفسه على المدارس والجامعات ومراكز البحث العلمي في العالمين العربي والإسلامي لأظهرت لنا المؤشرات أنها أقل بكثير من حاجة الناس التعليمية.
يتسابق الأثرياء والوجهاء على بناء المساجد لأسباب مختلفة، وقد يكون ذلك بدافع ديني وعقائدي من دون أن ندخل في النوايا، لكن أوجه الخير وفعله كثيرة، وممكن أن تَتّسع لتشمل جوانب أخرى تظهر فيها الحاجة الماسّة للتبرّع والإعانة، فبناء مدرسة تمحو جهل الفقراء والمعوزين وتنير عقولهم ليتحمّلوا مسؤوليتهم مستقبلاً لا يمكن أن يكون أقل خيراً ودرجة من بناء مسجد فخم.
قال الدكتور عبدالحميد الأطرش، رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر، يوماً: «أغرَقَ المسلمون الأرض مساجد ومن هنا تفرّقت كلمة المسلمين، ولو أن هناك مصلحة عامة، مثل مستوصف طبي أو مكتب بريد أو مستشفى أو كوبري أو مكان يستفيد منه الناس، وفي البلدة مسجد واحد يكفي حاجة المصلين، فلا داعي للمسجد» (انتهى).
ما قاله رئيس لجنة الفتوى الأسبق شبيه جداً بما قاله الأخ اليمني في حديثه المذكور في بداية المقال. الاختلاف فقط في موقع كليهما، لكنه يبقى حديثاً مُستَحَقّاً والتقدير هنا يبقى في عهدة من بيده الحل والعقد في قضية يُصر البعض على أن يصوّر إثارتها كمخالفة للشريعة وإضرار بالإسلام لأهداف أصبح العامة اليوم مُدركين لها جيداً، على رأسها النفوذ والسلطة السياسية وبعيداً عن الدين والتقوى والورَع.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى