
لم أحاول أن أسأل أو أستفسر عن الأسباب التي دعت تلفزيون الكويت لأن يوقف برنامجاً بحجم ونشاط برنامج “ديوانية الأسبوع” للأكاديمي البارز الدكتور شفيق الغبرا! لم أسأل لأنني مدركة جيداً أن لا أسباب منطقية وراء قرار كهذا، وإنما هي روح المزاجية التي أصبحت مسيطرة وبشكل واضح على كل أنشطة التلفزيون والإذاعة!
البرنامج كان ناجحاً من جانبين؛ الأول كان في نهج الحوارية الذي أصبح مطلوباً ورائجاً في الإعلام بشكل عام، وهو النهج الذي قام عليه برنامج “ديوانية الأسبوع”، أما الثاني فهو في شخصية مقدمه الدكتور شفيق الغبرا الذي استطاع أن يحتل مكاناً بارزاً في الإعلام داخل الكويت وخارجها، بالإضافة إلى دوره الرائد في المسيرة الأكاديمية بشكل عام!
لقد قال الزميل عبداللطيف الدعيج وأسهب في تعليقه على إيقاف برنامج “ديوانية الأسبوع”، لكن ما لم يذكره الزميل الفاضل، أو بالأصح ما لم يتوقف عنده كفاية هو طابع المزاجية الذي صار يتحكم في قرارات وزارة الإعلام وعبر وجوه الوزراء الذين عبروا من بوابتها! فالمزاج هو التبرير الوحيد لوقف برنامج ناجح كهذا، وهو- أي المزاج- قد سبق وأن أوقف برامج أخرى عديدة كانت تلقى إعجاباً ومتابعة من شرائح عديدة في المجتمع الكويتي ومن خارجه!
في الصيف الماضي، كاد برنامج “مراحب” أن يلقى مصير “ديوانية الأسبوع”، وهو، أي برنامج مراحب، وبشهادة كل من يتابعونه، يشكل مرآة عاكسة لكل الشأن الكويتي، سياسياً كان أو اجتماعياً أو فنياً! “مراحب” هذا يشكل برلماناً مصغراً تلتقي فيه كل الشعوب العربية وغير العربية، وتتناول فيه قضايا وأموراً حوارية شيقة! برنامج مراحب، صدر بحقه حكم التوقيف لولا هبة المستمعين والمتابعين الذين كان أغلبهم من دول عربية شقيقة، وجه بعضهم مناشدة ومطالبة إلى القيادة السياسية بعدم وقف البرنامج الذي يشكل بالنسبة لهم حلقة وصل وتواصل مع الكويت وشؤونها بشكل عام! فكان أن رضخ المسؤولون وتحت ذلك الكم الهائل من الضغوط لسحب قرار الوقف، ولا يزال البرنامج مستمراً وناجحاً!
السؤال الذي كان يردده كل المتصلين المتذمرين من وقف برنامج “مراحب” كان يدور حول الأسباب التي تدعو إلى وقف برنامج ناجح كهذا؟ ولأن السؤال كان بلا إجابة منطقية، بخلاف نهج المزاجية المتحكم في القرارات الإعلامية، فقد بقي عالقاً وإلى اليوم!
الأمر نفسه ينطبق على قرار وقف برنامج “ديوانية الأسبوع” والذي كان نافذة مشرقة يطل من خلالها شباب وشابات الكويت على مشاهدي الفضائيات، وليطرحوا من خلال حواراتهم صورة ناصعة للفكر والعقل الكويتي الناشئ والمتأجج نوراً ووعياً!
حتماً كان هنالك العديد من المتابعين لهذا البرنامج الرائد في وعيه وطروحاته، وحتماً كان هنالك العديد من المشاهدين العرب ضمن هؤلاء المتابعين، وحتماً كذلك سيتساءل هؤلاء عن الأسباب التي أدت إلى مثل هذا الوقف المفاجئ لبرنامجهم! عندها ستكون الصورة غاية في البشاعة عن بلد رائد في ديمقراطية القرار والنهج، وبلد تقلد أوسمة حرية الرأي والقول والعقيدة، وبلد يحفل بتاريخ ناصع في مسيرته الديمقراطية لكنه يخشى من نفوذ برنامج حواري يديره أكاديمي بارز، ويستضيف ثلة من أبناء الوطن وبناته! أما القول بغير ذلك، أي بغير أن يكون البرنامج قد أثار حفيظة بعض “المتعففين” والمتحفظين على الرأي الصارم والصريح، فإنه سيقودنا من جديد إلى نهج المزاجية المسيطر على أجهزتنا الإعلامية! وهو بكل أسف نهج لا يحتمل المنطقة ولا درء الأسباب!
