الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

مرداد والنبي

“مرداد.. والنبي”

كتب ميخائيل نعيمة الكثير، لكن يبقى كتابه الثري “مرداد” بمنزلة الكنز لمن يريد أن يغوص في طبيعة النفس البشرية. يقول في أحد سطور “مرداد”: “أقول لكم ثانية، أنتم الطوفان، وأنتم السفينة، وأنتم الربان، أما الطوفان فشهواتكم، وأما السفينة فجسدكم، وأما الربان فإيمانكم، وهذه كلها تتخللها إرادتكم، ومن فوق هذا كله يهيمن فهمكم”.
رواية “مرداد” صيغَت بأسلوب حكواتي استخدم فيه ميخائيل نعيمة أموراً وقصصاً يدركها القارئ ويعلم تفاصيلها، كقصة نوح والطوفان، وثنائية الخير والشر، والرواية كما وصفها ميخائيل نعيمة هي خلاصة فكره وعقيدته، جمعت بين الفلسفة والصوفية، أما البطل فيها فهو شخصية “مرداد” الذي صوّره ميخائيل نعيمة بكونه الشخصية التي تحمل صفات الذات الإنسانية اليقظة والمستنيرة.
يبدأ “مرداد” في بداية الرواية بتسلّق الجبل الشاهق للوصول إلى القمة، مستعرضاً وبشكل فلسفي عميق المصاعب التي تواجهه في رحلة الصعود هذه، سعياً للوصول إلى القمة، حيث الكنز القديم، وهناك تحدث المواجهة مع الكهنة الذين يتمسّكون بقشور الدين، ولا يغوصون في جوهره، بمعنى آخر يكون “مرداد” هو المرشد لمفاهيم الدين الحقيقي التي تبدأ أولاً بصقل الذات وتطهير “الأنا”، وتزويد النفس بالأفعال الطيبة والإيمان الراسخ، أو كما قال نعيمة على لسان “مرداد”: “إن لم تجدوا السبيل إلى قلوب الناس، تعذّر عليكم الوصول إلى قلب الله”.
لا يفوت النقاد أبداً المقارنة بين “مرداد” ميخائيل نعيمة، “ونبي” جبران خليل جبران، فكلتا الروايتين تحمل كمّاً هائلاً من الفلسفة والغوص في النفس البشرية، وقد أجاب يوماً ميخائيل نعيمة عن سؤال حول الفرق بين الشخصيتين، حيث قال إن الفارق بين “مرداد” و”النبي” كبير، فجبران لم يتكلم عن الإنسان الذي تخطى حاجز الوعي البشري، بل تكلّم عن الإنسان الأرضي وكيف يحسن به أن يعيش، في حين أن “مرداد” يقول إن كل إنسان قادر على أن يصل إلى مرحلة التجلّي والصفاء الذهني التام واليقظة.
صراع الخير والشر في النفس البشرية تناوله الكثير من الفلاسفة، وانعتاق النفس البشرية من قيودها الحسية لطالما كان الهدف الذي طارده الفلاسفة، من جبران إلى ميخائيل نعيمة وإلى نيتشه وأفلاطون وابن عربي والسهروردي وغيرهم، جميعهم كانوا يشيرون إلى هدف فوق الخير والشر وخلف الخير والشر، هدف تتلاشى معه هذه الثنائية إلى طريق يؤدي إلى الاتحادية، حيث تتلاشى كل تناقضات الحياة، وفقاً للمعايير البشرية السائدة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى