الأرشيف

مرحباً بـ “الطليعة” بعد أن أصاب الركود حركة الرأي

[جريدة الطليعة 11/1/1995]

قد لا نكون بحاجة هنا إلى تهنئة “الطليعة” على عودتها إلى أحضان الوطن من جديد!! ومعاودة الصدور بعد توقفها القسري المؤقت!! فنحن بلا شك.. مساهمون في مادتها.. وقراء لهذه المادة.. فلقد افتقدنا حضورها الجريء على ساحة الوطن العربي بوجه عام.. بأحداثه الساخنة.. ومتغيراته الحرجة!! وإن كنا بحاجة إلى تهنئة الذين يقفون على الرصيف المقابل… ويسيرون بعكس اتجاه الطليعة!! فهم – ولا شك – أحوج منا إلى “الطليعة” وإلى حضورها كرأي آخر.. وطرح مغاير للمألوف مما ينشر ويكتب ويقال.. ولما يرونه أنفسهم كحقائق وأمور ثابتة لا غبار عليها!!
والحاجة إلى الطرف الآخر.. تفرضها ولا شك حاجة المجتمع بأفراده إلى خلق حياة اجتماعية وسياسية.. واقتصادية متكاملة. فالتكامل يحمل في معناه التقاء الأضداد.. أو الآراء والرؤى والمصالح المختلفة.. والتي علينا أولاً أن نعي اختلافها.. وندرك تعارضها.. قبل أن نأمل التقاءها وتكاملها.
والحديث عن التكامل في أي مجتمع كان.. قد يحمل في طياته دائماً نزعة مثالية.. يرفضها البعض.. ويُشكك في إمكانية قيامها البعض الآخر!!
إن أية محاولة للحديث عن جهود خلق التكامل في مجتمع ما.. لا بد أن تدفع إلى الحديث عن السياسة!! فهي الأساس في خلق حالة التكامل المجتمعي تلك.. وترسيخها!! فلقد عرَّف معجم “روبير” عام 1962.. السياسة بقوله: “السياسة هي فن حكم المجتمعات الإنسانية” وهو بذلك يحاول أن يميزها عن كونها “علم” وحسب!! فالعلم تحكمه النظريات الصارمة.. وتحدده المعادلات القاطعة!! بينما يفترض في السياسة.. كأسلوب لتنظيم حياة الأفراد فيما بينهم.. أن تكون فناً.. غير خاضع لذات الصرامة التي يخضع لها العلم!! خاصة وأن علاقات الأفراد فيما بينهم تتداخل فيها عوامل عديدة.. تنبع من خلفيات اجتماعية مختلفة.. وتعبر عن مصالح متباينة!! لذلك كانت السياسة هي فن إدارة تلك الاختلافات.. والتنسيق بين التعارضات التي هي أساس التغيير والتطوير في أي مجتمع كان! ومن هنا جاء شعار الديمقراطية.. كأحد أفضل الأساليب المطبقة لإدارة الاختلاف في المجتمع الواحد!! وهي – أي الديمقراطية – يفترض أن يسبقها شعار الحرية.. الذي يكفل العمل الحر.. والرأي الحر.. والحوار السياسي والاجتماعي الحر!! ولأن الحرية أساساً ليست حرية مطلقة.. بل تحكمها مصالح شخصية.. وتحدها تنشئة اجتماعية معينة.. جاءت السياسة لتكون الفن الذي يحدد هوية القرارات والقوانين التي تحكم المجتمع والدولة!!
فدور “الطليعة” إذن مهم في المساهمة بذلك الفن السياسي.. خاصة بعد أن اصطبغت الآراء في هذا الوطن بلون واحد.. وسيطر اللااختلاف المزيف على هوية القضايا الحساسة!! التي تراجعت إثارتها بشكل واضح بعد توقف “الطليعة”!! بحكم الحدود التي يرسمها البعض لحرياتهم وبفعل الرقابة الذاتية التي تسيطر على حرية الرأي والنقد.. والتي تدفع بآراء كثيرة إلى التزام الخط الوسط!! خشية الاصطدام بأهدافهم الثابتة!!
حين توقفت الطليعة.. قيل الكثير عن مصادر وجهات أبدت استعدادها للمساهمة في إعادة صدور “الطليعة”!! وقيل أيضاً أن من بين تلك المصادر.. من يختلف اختلافاً مطلقاً مع خطها.. وأهدافها.. وأسلوبها الصريح في الطرح والتعرض لقضايا الوطن الحرجة!!
وعلى الرغم من ضآلة احتمال الصدق فيما قيل.. إلا أنه لو كان حدث.. فهو دليل على نضج ووعي تلك المصادر لأهمية إبراز الرأي الآخر!! على الرغم من أن الآراء التي خرجت آنذاك.. كانت ترى فيه محاولة لاحتواء ذلك الرأي.. لا إبرازه!!
ومهما كان الهدف أو الغرض من وراء ما أثير.. فالحق الذي لا بد وأن يقال.. أن “للطليعة” دورها البارز والجريء.. في طرح.. ما يتراجع عنه الآخرون.. من الذين يرون فيه خروجاً على رقابتهم الذاتية!!
قد يكون فيما تطرحه “الطليعة”.. ما يثير الألم والخوف فهي لا تتحدث عن الوحدة الوطنية السائدة.. والاستقرار السياسي والاقتصادي.. ولا تتغنى بالتحام أبناء الديرة فيما بينهم.. ولا الرفاه الاجتماعي المقبل.. ولا تطمئن إلى مستقبل مضمون مستقيم.. ولا تشيد بإنجازات الحكومة ومآثرها!! فهناك من يقوم بهذه المهمة على أكمل وجه!! لكنها تطرح الجانب الذي نحرص لا شعورياً على أن نتجاهله.. ونحاول أن نتناساه!! وذلك بحكم النزعة البشرية لطرد الألم.. وإخفاء الجانب السلبي فيها!! أو لكي يكون حديثنا ذا صبغة سياسية يهدف إلى تأجيل الصراعات.. والتي يفرضها اختلاف المصالح البشرية في المجتمع الواحد!!
عودة “الطليعة” ولا شك.. تعني عودة التنافس.. بعد أن أصاب الركود حركة الرأي!! ونحن إن كنا قد وعينا وأدركنا أهمية التنافس الاقتصادي.. فإننا لا نزال نخشى التنافس السياسي والتنافس في الرأي والطرح.. ونرى فيهما معوقاً للاستقرار.. ومثارة للشغب!! على الرغم من أنهما من أهم مقومات السعي إلى التكامل.. اجتماعياً كان أم سياسياً أم اقتصادياً!! خاصة وأن أكثر الآراء السياسية نضجاً ترى أن التكامل يولده الصراع أثناء تطوره.. وليس التمويه.. والتوافق الزائف!!
و”الطليعة” بلا شك.. هي رائدة في إبراز معوقات التكامل في هذا الوطن.. على السطح.. بدلاً من إخفائها.. أو تمويهها!! ولها المبادرة في ذلك.. والتي تدفع بسببها ثمناً.. سواء على مستوى التوزيع والانتشار.. أو على مستوى القبول والمؤازرة!! فمبدأها أن هنالك من يدير عجلة المديح والإطراء في هذا الوطن.. وعليها أن تحمل عبء النقد.. والمساءلة!! وهو عبء ثقيل ولا شك.. فسهل جداً أن أكسب إنساناً.. بمدح ليس فيه.. غير أنه من الصعب بمكان أن أكسبه.. بنقد هو فيه!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى