
مع انقضاء فترة الامتحانات، نتوقف عند مشكلة غالباً ما تثار في هذه الفترة، وهي مشكلة الوقت!! فسواء كان الفرد طالباً، يطلب مزيداً من الوقت ويتذمر من ندرته وشحه، أو كان مدرساً غلبته الرأفة فمنح الممتحنين دقائق إضافية!! نقول سواء كان طالباً أو مدرساً، فإن قضية الوقت هي من المشاكل التي يعاني منها الاثنان معاً!! وذلك يعود ولا شك إلى سوء تقسيم الوقت وتوزيعه، فالامتحان ليس اختباراً للمعلومة وحسب وإنما هو أيضاً امتحان لكيفية إدارة الوقت والتعامل بحكمة مع الساعات المطلوب فيها إنجاز عدد محدد من الأسئلة!! وتلك مسألة غالباً ما تغيب عن ذهن الطالب لدينا، وهو أمر يعود بالتأكيد إلى عدم إدراكنا لأهمية تقسيم وإدارة الوقت بحكمة!!
فعلى الرغم من أن أدبياتنا تمتلئ بالأقوال والحكم والتي تتحدث عن قيمة الوقت.. وأهمية تسخيره لخدمة الفرد، إلا أننا نادراً ما نستخدمها في شؤوننا اليومية.
فنحن نؤمن بالقول الداعي إلى أن “الوقت من ذهب”.. إلا أننا عملياً نحتفظ به متراكماً!! كما أننا نردد أن “الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك”.. وتأتي المعركة دائماً لنكون فيها أكثر الخاسرين!!
لقد ترجم البشر إدراكهم لأهمية الوقت وحكمة الحد من إهداره والتقنين في استخدامه، وذلك من خلال تسخير التكنولوجيا وخاصة الكمبيوتر لإنجاز أعمالهم في سرعة وزمن قياسيين!! ونحن في هذا الوطن لا شك جزء من ذلك العالم الفسيح، يشكل إهدار الوقت بالنسبة لنا خسارة قد لا نعيها في قالبها الفردي.. وإن كان ذلك لا يعني قيمتها المهدرة ومردودها المادي والبشري على المدى البعيد!! غير أننا على ما نبدو نسير بعكس عقارب الزمن!! فالوقت والزمن الثمين لدى شعوب كثيرة من حولنا هو بلا شك مهدر، ومباح بأسلوب أصبحنا نتفنن في مزيد من الإهدار بحقه!! فكل ما حولنا أصبح مسخراً ومنادياً بأقصر الطرق نحو مزيد من التصريف للوقت المتراكم في حياتنا اليومية!! بل وحتى إعلامنا قد أصبح أداة لإرشادنا حول أيسر الطرق لملء فراغ الوقت الذي خلقناه بعادات وأساليب في المعيشة والحياة، تدعونا إلى الإبداع في ممارسة قتل الوقت!! وهنالك أمور صغيرة في حياتنا اليومية تعكس مفهومنا الخاطئ لغنيمة الوقت!! فجميعنا عرضة لمكالمات هاتفية تشل ساعة أو ساعتين من الوقت دون أن يكون لنا الحق في أن نتذمر، وإلا كنا مقصرين اجتماعياً، وجميعنا لا بد أن نكون مهيئين لساعات من الزيارات المفاجئة، والتي تبتلع من الزمن الكثير دون أن يصاحبها شكوى من ذلك الإهدار.. وإلا كان في ذلك خروج عن الجماعة!! الكل لا بد أن يكونوا مستعدين لأي طارئ مجتمعي وبرحابة صدر.. دون أي تذمر.. وإلا كان ذلك تعالياً عن المفهوم السائد القائل بتراكم الوقت وبرصيد الساعات الزمنية الممتد بطوال يوم الفرد!!
الوعي بقيمة الزمن والساعات لا يمكن أن يكون على مستوى فردي، وإلا كان ثمن ذلك انفلات هذا الفرد وانعزاله عن الجماعة!! الوعي الزمني، لا بد أن يكون وعياً جماعياً يدركه المجتمع، ويسعى لسن أعراف تعيد تقييم الساعات التي يئن تحت تراكمها الكثير في هذا الوطن وعلى اختلاف الأعمار والاهتمامات!!
نحن مقبلون على مزيد من الساعات الشاغرة التي ستجلب التكنولوجيا المزيد منها!! ولعلّ ما نعاني منه الآن من وقت هو بفعل ما قدمته التكنولوجيا حتى الآن، فساعات عمل المرأة في بيتها قد تقلصت بفضل المكنسة الكهربائية.. وفرن المايكروويف!! ورحلاتنا وتنقلاتنا اليومية تقلص زمنها.. وأصبحت سرعة الانتقال تتركنا أمام فائض من الساعات يهدر أغلبه عبئاً!! بل لقد ساهمت أجهزة الإعلام عابرة القارات في نشر المعلومة وإيصالها بأقل وقت وجهد ممكن.. وهو أمر وفر لنا المزيد من الساعات الإضافية!!
لقد أصبح العالم من حولنا فعلاً لا قولاً في سباق مع ما خلفته التكنولوجيا من فائض في الساعات والزمن!! وتلك حقيقة أدركتها دول كثيرة، وأصبحت معها أكثر إصراراً على البدء في معالجتها!! فأدخلت فن إدارة الوقت ليصبح بنداً من بنود تقييم أداء الطالب.. وأصبح من صلب المناهج وعمليات التقييم!! بل لقد أطلق الصحافي الفرنسي (جان سيرفان شرايبر) تحذيراً مشابهاً في كتابه “فن الوقت” حيث دعا إلى دعم جديد لعلم إدارة الوقت، ليصبح على غرار علم إدارة الأعمال!! ولقد لقي كتابه وتحذيره هذا صدى لدى بعض الجامعات.. حيث دعت بعضها إلى تدريس هذه المادة الجديدة.. وبحيث يكون هنالك في المستقبل مدير للوقت.. تماماً كما يوجد الآن مدير للأعمال!! قد لا نطمع نحن في هذا الوطن أن يكون لدينا شاغر لوظيفة “مدير للوقت”!! وإن كنا ولا شك نطمح إلى شيء من التقنين لذلك الإهدار المتعمد في أحيان كثيرة للساعات.. وللوقت!! ومزيداً من الوعي والإدراك لقيمة الوقت التي هي حقاً من ذهب!!
