
لم ألتق من قبل بالأمين العام السابق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.. وإن كنت قد التقيت وعاصرت كأي مواطن خليجي كل إنجازات مجلس التعاون الخليجي.. والتي لم أتبين منها.. وأيضاً كأي مواطن خليجي.. سوى منافذ الخروج في المطارات.. والمخصصة لمواطني مجلس التعاون، لذلك قد شدني اللقاء الذي أجرته جريدة “الشرق الأوسط” في عددها الصادر بتاريخ 18/2/1993 مع الأمين العام السابق.. تحدث فيه عن سر بقائه لمدة اثني عشر عاماً في منصبه.. ومن كونه شخصاً غير عادي.. وبعطاء غير عادي.. وحيث صرح الأمين السابق وفي نفس اللقاء بقوله: “أنا منظّر مجلس التعاون الخليجي.. وراسم فلسفته.. ومخطط سياسته.. وقد عشت راهباً داخله لمدة 12 عاماً”.
ولأنني وكأيّ مواطن خليجي.. لم ألمس شيئاً بعد من تنظير الأمين السابق.. ولم أتبين فلسفة حقيقية وثابتة يسير عليها مجلس التعاون.. بل وتبدو لي خطط مجلس التعاون وكأنها إحدى اللغات البائدة.. والتي تصر على استخدام أحرف عفا عليها الزمن.. وسقطت.. ولم يعد استخدامها دارجاً بين لغات الأرض؛ لذلك كله فقد عجبت، وكما هو حال غيري من مواطني مجلس التعاون، للرخاء والرفاه الذي ينعم به موظفو المجلس دون مواطنيه، فلقد تلقى الأمين العام السابق لمجلس التعاون الخليجي عدة ملايين من الدولارات اختلفت الروايات في حقيقة أرقامها.. جزاء تنظيره وخططه.. إلى جانب تقليده وشاحاً من الدرجة الأولى تقديراً لما قدمه من (خدمات جليلة) لمجلس التعاون لدول الخليج العربية طوال توليه منصب الأمين العام.
إذا كان مجلس التعاون قد حقق إنجازاً ومنذ قيامه.. فهو إنجاز يتمثل بكشفه لحقيقة واحدة.. وهي أن الصيغة التي نشأ وقام عليها المجلس قد أثبتت فشلها. بحيث أصبح واجباً على دوله إيجاد صيغة سياسية جديدة تلاقي قبولاً أكثر لدى مواطني دول مجلس التعاون.. والمحبطين بضآلة أدائه.. فسياسة الانغلاق التي اتبعها المجلس وقام عليها منذ إنشائه لم تثبت فشلها وحسب.. وإنما أثبتت خطورتها على دول المنطقة كافة.. وكان أن قسّمت منطقة الخليج إلى دول غنية مرفهة وذلك بحسب ندرة السكان مقارنة بالثروة.. مقابل دول يمكن اعتبارها من الدول الفقيرة إذا ما قورنت كثافة سكانها بمواردها. وهو عامل كان دائماً ما يشكل حاجزاً بين دول مجلس التعاون الحالية.. وباقي دول الخليج.. وقد زاد من وعورة ذلك الحاجز قيام مجلس التعاون الذي جاء قصراً على الدول الأعضاء فيه حالياً، مما جعل الدولتين اللتين لم يشملهما مجلس التعاون الخليجي تبحثان لدى دول أخرى عن صيغ مشابهة لمجلس التعاون الخليجي.
لقد كان بالإمكان تجنب الكثير من القلاقل والمشاكل التي عصفت بمنطقة الخليج لو أن مجلس التعاون الخليجي قد ضم في إطاره كلاً من إيران والعراق.. وهما الدولتان الوحيدتان اللتان تشاركان دول الخليج الأخرى في الرقعة الجغرافية دون أن يشملهما التعاون الخليجي، مما جعل التصنيف القائل بتقسيم المنطقة إلى دول غنية وأخرى فقيرة.. تقسيماً قريباً للواقع وللوضع القائم.. ومعززاً بذلك كل عوامل الضغينة والكراهية التي كان بالإمكان السيطرة عليها والحد من إثارتها وبعثها من جديد.. فقد كان استثناء إيران والعراق.. وعزلهما عن باقي دول الخليج.. يصوّر مشروع مجلس التعاون.. كمشروع لحماية أنظمة سياسية معينة ومتشابهة في أسلوب الحكم. وليس مشروعاً لتوحيد المنطقة جغرافياً.. على الرغم من كون العراق دولة خليجية وعربية في آن واحد.. وإيران دولة تمتلك حصة كبيرة من الإطلالة على الخليج. مما يجعل استثناءها من مجلس التعاون.. على الرغم من تفاوت الظروف في كلتا الدولتين.. يؤكد من مقولة أن الغرض من قيام مجلس التعاون.. كونه مجلساً لحماية أنظمة الدول الخليجية أكثر من كونه خدمة لشعوبها.. تفسير أقرب ما يكون للحقيقة.. منه إلى الاتهام.
ثم تجيء كارثة غزو الوطن.. واجتياحه.. والتي لم تكن قضية غزو واعتداء بقدر ما كانت عاملاً مساعداً.. ساهم في طرح القضية الأساسية.. الكامنة في حقيقة انغلاق وانعزال دول مجلس التعاون الحالية عن بقية الدول المطلة على الخليج.. والتمسك – ضيق الأفق – بقصر المساهمة في مجلس التعاون على الدول الحالية والمساهمة فيه.
لقد كانت مأساة الغزو.. وخاصة الموقف الإيراني المتمثل بالحياد طوال فترة الحرب.. دليلاً راسخاً على أن المنطق الراهن الذي قام عليه مجلس التعاون الخليجي ليس بإمكانه تحقيق أهدافه في الحفاظ على أمن المنطقة.. دون أن تساهم فيه بقية الدول المطلة على الخليج.. فلقد جاءت أزمة الخليج لتؤكد أن المنطقة بأكملها مكشوفة أمنياً.. وأن مجرد عملية غزو النظام العراقي للوطن تعد انتهاكاً وغزواً لكل دول الخليج.. ليس بالمعنى اللفظي والعاطفي للكلمة.. وإنما بمغزاها العملي.. فالسرعة التي تمت بها عملية الغزو والاجتياح تفتح الطريق أمام احتمال تكرار المأساة مستقبلاً.. وتجاه أي من دول الخليج الصغيرة على وجه الخصوص.. وهي حقيقة قد يكون بالإمكان تداركها.. والحد من احتمال وقوعها.. وذلك بإشراك كل دول الخليج في المشروعات الأمنية. فلقد كان هاجسنا جميعاً سواء في هذا الوطن.. أو في غيره من الأقطار الخليجية.. كما كان هاجس كل أنظمة الخليج الحاكمة.. الموقف الإيراني تجاه الغزو أولاً.. ثم تجاه الحرب التي شنتها قوات التحالف ثانياً، ذلك الموقف الذي لا يستطيع أحد منا أن يُنكر أهميته.. أو حساسيته بالنسبة للوضع القائم آنذاك.. والذي تميز بالحياد التام تجاه الأحداث والحرب.. على الرغم من كل تراكمات مرحلة الخصومات التي نشأت وعززتها الأنظمة الخليجية إبان الحرب العراقية الإيرانية، وبالرغم من الإمكانيات التي تملكها دولة كإيران على التأثير في الموازين القائمة.. والتي كان بإمكانها.. وعلى أقل تقدير! إثارة حفيظة الشارع العربي والإسلامي تجاه التدخل الأجنبي.
لقد أكدت كارثة غزو الوطن.. أن كل الاستراتيجيات الدفاعية في إطار مجلس التعاون الخليجي.. كانت استراتيجيات رمزية وظاهرية.. ولم يكن لها في الحقيقة حضور ملموس.. ولم يطرأ أي تطور حقيقي على تلك الاستراتيجيات الدفاعية حتى بعد نجاح عملية غزو النظام العراقي للوطن.. وعجز باقي دول الخليج عن الدفاع عن نفسها.. والدليل على ذلك السرعة التي تم بها استدعاء القوات الأجنبية للدفاع عن المملكة السعودية ودول الخليج الأخرى.
لقد أفرزت كارثة غزو الوطن من النتائج والحقائق ما يمكن استثماره لتقوم على أساسه دولة خليجية واحدة تملك من المقومات ما يغنيها عن كل ذلك التبذير على استراتيجية للأمن سقطت في ساعات.. وبرامج تنمية لم تتجاوز أروقة مبنى مجلس التعاون.. وإدارة ترى بأنها إدارة غير عادية.. بعطاء غير عادي.. وبرأي واضح وغير عادي في الوضوح.. وكما جاء على لسان أمينها العام السابق!!
الطليعة 3 – 1993/3/9




