
أجرى المجلس الأعلى للتخطيط دراسة حول العنف الجنائي في المجتمع الكويتي.. وقد جاءت بعض نتائج تلك الدراسة مناقضة بعض الشيء للمفهوم العام لطبيعة المحركات والدوافع وراء السلوك العنيف والجنائي في الكويت.. حيث لم يثبت من الدراسة أن للمخدرات علاقة مباشرة بجرائم العنف وذلك بعد أن أفادت نسبة كبيرة من المدانين بأنهم لا يتعاطون المخدرات وأن الجرائم التي ارتكبوها ليست بسبب تعاطي المخدرات، أو أنهم كانوا تحت تأثير المخدرات عند ارتكابهم هذه الجرائم. وقد تأكد ذلك من خلال ملفات المدانين في جرائم العنف التي تشير إلى أن نسبة كبيرة منهم لم يكونوا تحت تأثير المخدر عند ارتكاب الجريمة!! كما بينت الدراسة أن حيازة السلاح سبب مباشر في جرائم العنف المصحوبة بالسلاح الناري. لكن ذلك ليس بالصورة التي يشاع عنه!! فالنتائج إذاً جاءت بعكس ما كان متوقعاً منها، حيث لم يكن هناك ارتباط واضح بين حيازة السلاح الناري واستخدامه في الجريمة!! كما أشارت الدراسة إلى العلاقة بين المستوى التعليمي وجرائم العنف حيث اتضح أن ٪63 من المدانين هم من حملة المؤهلات المتوسطة!! كذلك كان للمستوى الاجتماعي والاقتصادي دور مهم حيث تزداد الجريمة في المستويات الاقتصادية المنخفضة والمستوى الاجتماعي المنخفض!!
باختصار شديد العنف في الكويت شأنه شأن العنف في أي مجتمع كان، يزدهر وينمو أكثر في ظل تدهور الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية أو التعليمية، ونحن الآن مقبلون على زمن ستتراجع فيه كل تلك الظروف بصورة قد تضاعف الجريمة، وقد تأتي بسلوك إجرامي وعنف لم نعهده من قبل ولسنا مستعدين كدولة وكمجتمع للقبول به، أو للتعامل مع ما سيأتي به من أوضاع!!
لقد قدمت دراسة المجلس الأعلى للتخطيط عن العنف الجنائي في المجتمع الكويتي مجموعة من التوصيات التي نتمنى لو أنها لاقت اهتماماً وجدية من الجهات المسؤولة. ومن ضمن تلك التوصيات ما أشارت إليه الدراسة حول ضرورة الاهتمام بفئة غير محددي الجنسية وإنهاء المشكلة القانونية المتعلقة بتواجدهم في المجتمع.. وعلى الرغم من أن النتائج الإحصائية للبحث لم تثبت ولم تؤكد انعكاس تلك المشكلة على مستوى الجريمة ونوعها، حيث احتلت هذه الفئة أقل نسبة في ارتكاب الجرائم والتي بلغت 8.86 في المئة من إجمالي مرتكبي جرائم العنف!! إلا أن وضع غير محددي الجنسية بشكل عام يبقى شاذاً ومؤهلاً لأن ينفجر بصورة قد لا يكون بإمكاننا تقويمها حينئذ، فالإحصائيات الرسمية تقول إن فئة غير محددي الجنسية قد بلغوا أكثر من 125 ألف نسمة أي ما يعادل تقريباً 16 في المئة من المواطنين في المجتمع الكويتي الذي بلغ تعداده في عام 1997 حوالي 750 ألف نسمة!! وهو لا شك رقم مخيف إذا ما أدركنا الظروف النفسية التي تجابهها تلك الفئة خاصة بعد أن أصبحوا خارج رعاية الدولة فتم استثناؤهم من التعليم والتأهيل بشكل عام وذلك في أعقاب كارثة الغزو!!
لقد دقت أحداث الجهراء في رمضان ناقوس الخطر لمن يريد أن يكفي نفسه ويقيها شر الفتنة والجريمة والعنف!!
يقال إن أحداث الشغب الأخيرة في الجهراء قد أشعلها بعض “البدون” الذين يعلمون مسبقاً بأن لا أمل لهم في البقاء في الكويت، إما بسبب تعاونهم مع سلطة الاحتلال أثناء الغزو، أو لأنهم ينتمون بالفعل وبالوثائق إلى جنسيات أخرى يحاولون إخفاءها ونفيها!! وهو أمر يؤكد أن الإبقاء على قضية البدون عالقة سيكون كالجرح المفتوح الذي من السهل إثارته وتلوثه عند الحاجة إلى بذر الفتنة أو الفوضى في جسد الوطن.
البدون قضية جاءت كنتيجة مباشرة لمعالجات سابقة خاطئة. وهي شاهد على طبيعة الخلل في معالجاتنا لقضايانا بشكل عام والتي غالباً ما يؤججها ويشعلها الأسلوب السطحي في المعالجة والتمويه والتأجيل!! وهي أيضاً نتيجة لذلك التراجع المخيف في أولويات مجلس الأمة والذي فرّغ الدور والعمل النيابي والتشريعي وهمّشه بصورة جعلت الخيم الرمضانية تتصدر القضايا المطروحة.
لا شك أن من أبرز الدوافع وراء الجريمة بشكل عام هو عدم الشعور بالأمان، سواء اجتماعياً، أو اقتصادياً أو سياسياً. وبحسب دراسة المجلس الأعلى للتخطيط فإن أكثر المؤهلين للجريمة هم من شرائح المجتمع التي تفتقد الأمان الوظيفي أو المالي أو الاجتماعي فإذا كنا حقاً نريد أن نبني مجتمعاً بلا جريمة فلا بد أن تكون بدايتنا نحو ذلك بجرعات وقائية في آن واحد.
