
ختتم الزميل حسن العيسى مقاله الأسبوع الماضي حول كوبا بوصفه العالم اليوم بالمرعب، وهو يرى كيف يتم تجويع ومحاصرة دول مثل كوبا وإيران بسبب مواقفها السياسية، بالإضافة إلى الجرائم البشعة التي تُرتَكَب ضد الإنسانية كالتطهير العرقي والإبادة الجماعية، يحدث هذا في ظل صمت وخنوع عالمي غريب ومخيف في آن واحد.
بعض المهووسين بنظرية المؤامرة يرون أن تطعيم كورونا قد أثّر في درجة تفاعل الناس تجاه الظلم والقمع والعنف والإبادة، لكن قطعاً لا يوجد أي دراسة علمية أو طبية تؤكد مثل هذه الافتراضات، لكن إذا ما حاولنا البحث في حقيقة السلبية التي اجتاحت العالم بعد جائحة كورونا، فإن هنالك ما يدعم ذلك لأسباب لا علاقة لها بالفيروس ولا بالتطعيم، وإنما قد تعود إلى حالة القلق والإجهاد النفسي الذي خلّفته الجائحة وتداعياتها.
فعلاً سيطر شعور اللامبالاة على العالم، وخلّف جدل اللقاحات وإجراءات الإغلاق حينها حالة من الخوف لدى أغلب الناس، مصحوبة بلامبالاة تجاه الأحداث باستثناء معيشتهم وقوتهم اليومي وأمنهم الغذائي والنفسي، وقد عزّز من ذلك أن الأحداث من حولهم لم تعد تحمل مصداقية كافية، وضاعف من وتيرة ذلك الواقع مساحات النقاش والرأي في عالم افتراضي أصبح كل شيء فيه ممكناً وكل فرد فيه منظّرًا ومتحدثاً.
حالة اللامبالاة التي تجتاح العالم اليوم، بالرغم من بشاعة الأحداث من حولنا ودمويتها، هي نتيجة مباشرة ليس لكورونا وحدها، وإنما للنسق السياسي السائد الذي حوّل العنف والترهيب واختراق القوانين الدولية، والخوف إلى أدوات سلطوية بيد الأكثر نفوذاً وقوة سياسياً وإعلامياً، وبحيث تم حجب أي تعاطف نحو الشعب الكوبي الذي أصبح يتجرّع المرارة يومياً نتيجة معاقبة نظامه السياسي.
لهذا أصبح البعض يرى أن العالم يمر بحقبة انحدار أخلاقي جعلته يمر على مشاهد إبادة الأطفال وحرقهم، وتدمير القرى، وحرق المساجد والكنائس والمستشفيات ومحاصرة وتجويع الشعوب واختطاف رؤساء الدول بشكل درامي مخيف، يمر عليها بلا مبالاة غريبة، وإن حدثت المبالاة فهي بصوت خافت وغير مسموع.
بينما هنالك من يرى أن المسألة هنا ليست انحداراً أخلاقياً، بل إرهاقاً نفسياً يجتاح العالم كله، دون أن يكون هنالك مخرج منه غير الانسحاب والانزواء، خاصة بعد أن أصبحت الحروب والقتل والظلم والقهر والدماء مواد اعتيادية حوّلتها التكنولوجيا إلى مادة محتوى قد نتابعها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة التفاعل معها. وقطعاً حين يتحوّل ألم الآخرين سواء في غزة أو الضفة أو اليمن أو السودان أو أوكرانيا أو كوبا إلى مادة استهلاكية وقتية فإن التفاعل العاطفي والوعي بالمسؤولية يصبح عابراً وغير مؤثر.
مؤلم جداً حديث الزميل حسن العيسى عن كوبا المُحاصَرَة، ومؤلم أكثر كل ما تناولته الأقلام من سرد مفصّل لمعاناة القابعين تحت وطأة الحروب وعمليات الإبادة، أما ما يُشكّل قمة الألم، فهو في حالة اللامبالاة والتبلّد التي سادت العالم، وهي حالة قد لا تكون جديدة، لكنها في عصر التكنولوجيا أصبحت واضحة ومجسّمة، ففي كتابه «مجتمع الفُرجَة» الصادر عام 1967، تحدّث الفيلسوف الفرنسي غي ديبور عن مثل هذه الظاهرة، حيث يقول ان الحياة لم تعد تُعاش مباشرة، بل تُعرَض كصور، وأن المجتمع الحديث حوّل العلاقات الإنسانية إلى علاقات بين صور يكون فيها التمثيل أهم من الواقع، وتصبح الصورة بديلاً عن التجربة وبشكل يجعل الناس لا تتفاعل مع الأحداث مباشرة بل مع تمثيل تلك الأحداث من خلال المشاهد والصور.
تُرى كيف كان غي ديبور سَيَصِف المشهد الدموي السائد لو أنه كان حاضراً بيننا اليوم، وهو يرى مشاهد الدمار والعنف والظلم الذي تتعرّض له مجتمعات عديدة، مشاهد تتكرر كل يوم عبر أجهزة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي الممتدة عبر فضاء بلا حدود، ووسط حالة من اللامبالاة الطاغية على المشهد الإنساني؟ هل سيُكرّر ما قاله سابقاً من أن الفُرجَة تبلغ ذروتها عندما تصبح المأساة مادة دائمة للتكرار؟ أم أنه سيتفاعل رقمياً كما نفعل نحن جميعاً، ونغضب بإرسال تغريدة، أو نحتج بمقال، أو نثور عبر أدوات افتراضية؟ العالم كله اليوم أصبح مجتمع فُرجَة، لأن مرور المشاهد المؤلمة أصبح اعتيادياً حتى أدركتنا اللامبالاة بشكل مؤلم.
