
في لقاء أجرته معها “كونا”، سلطت الأديبة الكويتية أمل الغانم الضوء على الواقع الثقافي للطفل الكويتي، داعية القائمين على شؤون الطفل إلى تبني استراتيجية تستوعب المتغيرات المحيطة به وتتعامل معها من خلال خطط وبرامج فاعلة ومؤثرة، وتتساءل الأديبة عما وفرته الدولة للطفل؟ فالكويت لا توجد فيها مكتبة عامة للأطفال، كما أن المكتبات المدرسية سيئة ولا تعمل على تنمية قدرات الطفل وميوله القرائية، كذلك تحرم الدولة الطفل من فنون الأدب، وتلزمه بكتب تبعث الملل في نفسه، وتحشو ذاكرته بمعلومات مؤقتة وموجهة للامتحان.
لا شك أن واقع الطفل مؤسف وحرج جداً، فبالإضافة إلى غياب مسرح الطفل الترفيهي والتربوي الخالي من الإسفاف والمهازل التي لا تهدف إلى أي شيء، ولا تخدم عقل الطفل، وبالإضافة إلى تلك الندرة في كتب الأطفال، والشح في مجلات الأطفال، أسبوعية كانت أم شهرية، يأتي كذلك هذا الجمود الرتيب والممل الذي يحاصر مناهج الطفل المدرسية.
مع كل ما تقدم من خلل تبقى المعضلة الأكبر متمثلة في تلك الهوة التي أصبحت تعزل الأطفال عن عالم الكبار، وهي ليست كالهوة الفاصلة بين الأجيال والتي تكون طبيعية جداً يفرضها دوران الأحداث وحركة التغيرات.
الانفصال هنا، أو الهوة ليست بسبب تغيرات اجتماعية أو اقتصادية، وإنما هي أعمق بكثير، وكما لو كان هنالك ارتقاء بيولوجي منح عقول الصغار صفات جديدة لا نملكها نحن عالم الكبار.
لقد أدرك العالم من حولنا حجم ذلك التغيير الذي طرأ على كل جوانب الحياة بسبب التطورات التكنولوجية المذهلة والخاطفة، وأصبحت مؤسساته تعد العدة لمسايرة تلك التحولات اللاهثة في القدرات الذهنية والفكرية للإنسان الحديث، فبدأت المؤسسات التعليمية في مراجعة برامجها ومناهجها لتلائم قدرات الطفل واستعداداته الجديدة، وبدأ أدب الطفل من مسرح وسينما وكتاب بمواكبة تلك التطورات، بل وحتى شركات ومصانع لعب الأطفال وجدت نفسها أمام واقع فرضه هذا التحول في رغبات الطفل الترفيهية، بينما نحن لا نزال نراوح في أماكننا، حيث لم يطرأ تغير في أسلوبنا التعليمي، ولا في مناهجنا الدراسية التي ما زالت على جمودها الممل.
ولم يرتق أدب الطفل ولا مسرح الطفل مع الارتقاء البشري الحديث، مما جعلنا شبه عاجزين عن التوفيق بين قدرات الطفل وما يوفره له المجتمع من منهج، وكتاب، ولعبة.
لقد أصبحت عملية انضباط الطفل عملية مرهقة بالنسبة للوالدين، فعلى سبيل المثال، أصبح من الصعب إقناع الطفل وإلزامه بجدوى وأهمية المنهج المدرسي، في الوقت الذي بمقدور هذا الطفل التعامل مع الكمبيوتر، واستخدام الإنترنت بجدارة وسهولة ويسر.
إن عملية إعداد الفرد في أي مجتمع كان، هي عملية مشتركة تساهم فيها الدولة، بالاشتراك مع الأسرة، ومراحل التعليم الأولى هي الأهم في تنشئة الفرد، ولا نقول هنا إن مواكبة روح العصر الجديدة تتطلب إحلال الكمبيوتر بدلاً من المعلم، أو حتى استخدام الكمبيوتر والتقنيات الحديثة في التعليم، وإنما نعني بمواكبة العصر هنا من خلال تغيير أسلوب التفكير وسبل معالجة المعلومة، فعلى الرغم من أن كثيراً من المراكز التعليمية قد أدخلت الكمبيوتر في مناهجها التعليمية، إلا أنها أبقت على ذلك الأسلوب الجامد في التفكير، المحاصر بشروط ومسلمات صارمة غير قابلة للبحث ولا للتحليل.
الواقع الثقافي للطفل الكويتي هو واقع مثير للقلق وسيئ للغاية ويسوده الخواء، وكما ذكرت الكاتبة أمل الغانم، وهو أمر تتحمل الدولة وزره، وتأخذ المؤسسات التربوية والثقافية على عاتقها مسؤولية معالجته، على أن تكون البداية من مثلث الإهمال: التعليم والمسرح والكتاب.
