الأرشيف

مبدأ هولاكو

[جريدة القبس 4/6/2000]

لم أقرأ رواية “وليمة لأعشاب البحر” للكاتب السوري حيدر حيدر، وإن كنت قد تابعت تفاصيل ما أثاره البعض بشأنها من نقد وهجوم واستياء وصل إلى حد المطالبة بتكفير كاتبها ومحاكمته بتهمة الإساءة إلى الإسلام وللقرآن وللذات الإلهية! وهذه ليست المرة الأولى التي يصدر فيها ذلك البعض حكمهم على كتاب أو كاتب بتهم مشابهة لتهمة “الوليمة”، فلقد سبق أن أدانوا روايات وكتباً وقصائد ورسوماً وكاريكاتير!
المثير إذاً ليس في طبيعة ردود فعل ذلك البعض، وإنما هو في الفترة الزمنية التي احتاجها أولئك لإدراك خطورة تلك الرواية أو القصيدة على الدين والعقيدة! فمثلاً احتاج هؤلاء إلى حوالي عشرين عاماً، هو عمر رواية “وليمة لأعشاب البحر”، وذلك قبل أن يخرجوا باستنتاجاتهم تلك وأن يدينوا الكاتب والكتاب بما أدانوا وحكموا.
ليست هذه المرة الأولى التي يجري فيها علناً جلد كاتب أو مفكر، فلقد سبق أن عانى تاريخنا وحاضرنا الفكري والأدبي من إدانات مشابهة طالت مفكرين وأدباء، وهاجمت روايات وكتباً وأشعاراً، لكن الإدانة التي نحن بصددها الآن قد فاقت كل الإدانات وتجاوزتها، حيث حملت الدعوة إلى محاكمة رواية “وليمة لأعشاب البحر” وكاتبها، عنفاً خطيراً ظهر في الدعوة التي وجهها رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري أحمد عمر هاشم إلى إحراق الرواية، معيداً إلى الأذهان بذلك جريمة التتار في العراق حين أحرق هولاكو مكتبة بغداد ليصبح فيما بعد سفاح الكلمات والفكر! لا ينافسه في ذلك سوى الزعيم الألماني هتلر الذي قام بإحراق الكتب في ميونخ عام 1933 ولتبقى فيما بعد وصمة عار لاحقت هتلر وستلاحقه فيما هو قادم من زمن!
لقد أصبح تكفير الكاتب وإدانة الكلمة ووأدها مسألة في غاية السهولة والانتشار، وأصبحت التهمة بالإباحية أو بالإساءة إلى كلام الله ورسوله c أداة يستخدمها الكثير في صراعات جانبية سياسية كانت أم اجتماعية.
ويدخل على أثرها الدين والعقيدة في جدل لا علاقة له بجوهر الإسلام وأساسه.
بل لقد تجمدت كل الصراعات في المجتمع والدولة وتحولت إلى هجوم مستمر لا يسعى إلا إلى نفي الآخر وتهميشه ونبذه خارج دائرة المجتمع بأي شكل من الأشكال وبأي صورة كانت.
وإذا كان الصراع مشروعاً بل وضرورياً في أي مجتمع كان! فإن من شروطه أن يكون مصحوباً بهدف واضح ومحدد يعود بالنفع والفائدة على أكبر حجم من المواطنين! وهو بلا شك ما لا ينطبق على أي من صراعات جمعيات وتجمعات الإسلام السياسي والتي أصبح جل هدفها ومحوره نفي التيارات الأخرى، وبالتحديد تيار الفكر والنهج الحديث المطالب بالديمقراطية وحرية الرأي والفكر!
من العار حقاً أن نحرق كتاباً مهما كان توجهه ومهما بلغت درجة اختلافنا مع ما ورد فيه، ومهما بلغ حد خلافنا مع كاتبه وواضعه! فالحرق هنا يعني خوفاً من المواجهة، وجبناً في الحوار! وهو أمر لا شك أنه لا يليق بمن في صفة كتاب الله وفي قلبه دعوة محمد c.
نكرر مرة أخرى ما ذكرناه في بداية حديثنا أننا لسنا هنا بصدد الدفاع عن كتاب “وليمة لأعشاب البحر” ولا عن كاتبها حيدر حيدر، وإنما هو دفاع عن مبدأ عام وهام يضع احترام الكلمة والقلم في قمة أولوياته، ويتسلح بالمنطق وبالحوار لحظة اصطدامه بالآخرين واختلافه معهم! وهو مبدأ نتمنى لو حرص عليه أقطاب الإسلام السياسي في حوارهم وجدلهم ونقاشهم مع الآخرين بدلاً من تكفير الكتاب وحرق الكتب مع كل ما يعنيه ذلك من خطر على الحركة الأدبية والثقافية في عالمنا العربي وبشكل عام! فنحن جميعاً في نهاية الأمر نستنكر ما فعله هتلر في ميونخ، ونرفض مبدأ هولاكو عدو الكلمة والقلم والكتاب.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى