الأرشيف

ما وراء التجنيس!!

[جريدة الطليعة 31/5 - 6/6/2000]

التخوف الذي أبداه البعض تجاه التعديل المقترح على قانون الجنسية والذي يسمح للحكومة بالنظر في منح الجنسية الكويتية لمن أقام في الكويت منذ سنة 1965، له مبرراته ودواعيه التي تعود إلى ممارسات سابقة تم فيها استغلال التجنيس لأسباب عديدة لا علاقة لها بظروف الوطن ولا باحتياجاته!!
ولقد انعكست تلك الممارسات المغرضة على الهيكل الاجتماعي والسكاني والسياسي بصورة سلبية أحدثت خللاً جسيماً في نواحٍ مختلفة من شؤون هذا الوطن وأهله، نحن جميعاً ندرك بأن هنالك دوافع كثيرة للبت في مسألة التجنيس بشكل عام، منها ما هو إنساني بحت، ومنها دوافع سياسية أو اجتماعية. خاصة ونحن نرى ونشهد الظلم الذي يقع على بعض المستحقين للجنسية من الذين فاتهم ذلك الحق بسبب جهل الآباء وعدم حرصهم على تسجيل الأبناء مع بداية التجنيس وحصر المواطنين!! نحن إذن ندرك تلك الدوافع، لكننا أيضاً نحذر ونخاف عواقب الاستغلال أياً كان هدفه ونوعه، لمعاناة البعض أو لظروفهم في سبيل تحقيق أهدافاً ومآرب أخرى.
فالتجنيس سواء كان الآن، أم في الماضي أو في ما هو قادم من مستقبل، لا بد أن يأتي في إطار منتظم ومتناسق لكي لا يكون عرضة أو ضحية لأمزجة سياسية متقلبة ومختلفة أو لأهداف وأغراض مرحلية تخدم مرحلة أو فرداً أو حتى مؤسسة!! ففي العالم كله وفي غالبية الدول تبرز قضايا كالانتماء وشروطه، والتجنيس وقوانينه!! وتختلف الدول في مقاييسها تلك وشروطها مع اختلاف احتياجاتها وخططها وأهدافها!! فهنالك دول على سبيل المثال تشترط رأس المال كشرط لتجنيس أو قبول فرد ما!! وهنالك دول تستقطب المتميزين فكرياً والبارزين علمياً والنابغين في مجالاتهم العلمية أو المهنية!! كما أن هنالك دولاً تفتح المجال على مصراعيه مرحبة بوفود كثيرة ليست بالضرورة من أهل الثروة أو العلم!! وذلك لأسباب أخرى أهمها في هذه الحالة ملء الفراغات الجغرافية فوق خريطة تلك الدولة أو ذلك البلد مثلاً!!
تأتي الكويت بظروفها الاقتصادية وبسجلها الاجتماعي، وبنظامها السياسي، كدولة جاذبة كانت ولا تزال هدفاً لعقول كثيرة وجنسيات مختلفة وأفراد بقدرات متنوعة وأغراض متباينة!! كما تتميز الكويت بأنها كانت ولا تزال عطشى لجهود الآخرين من وافدين وغيرهم وللأيادي والعقول بكل مشاربها وتخصصاتها!! وتلك أمور تستطيع الكويت لو أرادت أن تصيغ على ضوئها شروطاً ناضجة وقوانين مثمرة تسعفها عند اعتماد أو عند النظر في تجنيس أي فئة أو أي فرد!! وإذا كان لكل دولة قوانينها الخاصة بها فيما يتعلق بالتجنيس، فإن لكل دولة كذلك أساليبها المعتمدة للحفاظ على أمنها القومي وعلى هويتها. فالتجنيس يعتبر إقراراً وختماً بالمواطنة. لذا فإنه لا يجب أن يأتي كنتاج لردة فعل على استياء فئة من الفئات بوضعها القانوني أو بسبب رؤى سياسية أو أهداف مرحلية وكما حدث ويحدث الآن في الكويت، حين دفعت “الحاجة” إلى الخروج بقانون الجنسية الجديد الرامي إلى تعديل الوضع القانوني لبعض المقيمين على أرض الوطن!! لقد أدت جملة من قوانين التجنيس الفجائية والعشوائية إلى تفاقم مشاكل التجنيس بشكل عام، وكما حدث في قانون الأجانب الصادر في العام 1959. حين سمحت الفقرة السابعة عشرة منه لأفراد القبائل والعشائر بالتنقل من مكان إلى آخر دون اشتراط حصولهم على إقامات وهو قانون أعفى تلك العشائر المتنقلة من مخالفة القانون مما ضاعف تفاقم مشكلة هؤلاء مع التجنيس بشكل عام!! وإذا ما نحن أدركنا هنا بأن قانون الجنسية الجديد لن يفيد كثيراً في حل مشكلة “البدون” والتي هي من أبرز المشاكل التي تحاصرنا، فإننا سندرك على ضوء ذلك أن القانون الجديد لا يختلف في فجائيته وعشوائيته عن أي من قوانين الجنسية والتجنيس السابقة!! خاصة وأنه لن يعالج سوى 17 ألف حالة تقريباً من أصل مئة وعشرين ألف حالة بدون. نحن ولا شك نطمح بأن تتحلى الدولة ببعد نظر ثاقب وعميق عند مداولة قانون كقانون التجنيس. وأن يرحّل بعد النظر هذا إلى ما هو أبعد من انتخابات مجلس الأمة أو المجلس البلدي، أو أي ساحة تنافسية فوق هذه الأرض!! ولكي لا تطغى طموحات سياسية مرحلية على مقومات وأسس الانتماء والهوية وشرطها!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى