الأرشيف

ما كان صالحاً للوطن لم يعد كذلك

[جريدة  القبس 14/8/1991]

يتميز البشر عن سواهم من المخلوقات بكونهم يعيشون في مجتمعات لها طبيعتها المتغيرة والمتحركة دوماً.. ونظراً لتلك الطبيعة المتغيرة في حياة الشعوب فإن لكل مرحلة خصائصها التي تبدو أكثر ملاءمة متمشية مع ما قد يبرز إلى السطح كنتيجة لتلك المتغيرات فليس كل ما يصلح لزمن معين قد تكون له نفس الإيجابية في زمن آخر وتحت ظروف مختلفة ويتزامن مع هذا التغيير تغيير آخر في نظرة المجتمع وتقييمه لأمور كثيرة تتباين فيها الآراء وتختلف بغية الوصول إلى الكمال المنشود.
وتباين الآراء في مجتمع ما ليس فيه من العيب شيء حيث أنه كلما زاد المساهمون في الرأي زاد الاجتهاد للوصول إلى الأفضل وهو أمر طبيعي حيث أن الله قد أعطى لكل حقه من القدرة على استخدام قدراته الفعلية لمجابهة ما يطرأ من جديد في مسيرته الدنيوية فاحترام الرأي الآخر كان دائماً سمة الشعوب المتقدمة والتي لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه لولا تباين الآراء.
في مراحل استقرار المجتمع يكون المواطن أقل إلحاحاً وسعياً وراء حل كثير من قضاياه المصيرية ويتسم التطرق لهذه القضايا بطابع التأجيل لما يوفره الاستقرار من فرص عمل وكسب كبيرين. وإن كان ذلك لا يعني أن المجتمع قد تنازل عن تلك القضايا المصيرية وإنما هي مرحلة قد تبدو فيها الآراء متفقة نوعاً ما وتقل فيها حدة بروز الرأي الآخر.
أما في مراحل الأزمات والمحن فإن الشعوب تتلاحم وتتفق الآراء نحو هدف واحد، وحيث أن طبيعة البشر في كافة المجتمعات تتفق على رفض الخضوع لأي تدخل أجنبي يقيد من حرياتهم ويمس استقلاليتهم فيتجلى رفضهم في صورة مقاومة متكاتفة تتميز بعفوية تامة يكون دور القيادات فيها منظماً لذلك التمرد الغريزي، فالمجتمع هنا ليس بحاجة لمن يوجهه إلى التحرك والرفض وإنما إلى تنظيم الطريق الصحيح لإبراز ذلك الرفض إلى حيز التنفيذ وتتميز هذه المرحلة بأحادية الرأي والهدف حيث تنصب كل الجهود في هذه المرحلة على إيجاد مخرج من ذلك التدخل الأجنبي.
وهذا ما حدث فعلاً إبان مرحلة الغزو العراقي للكويت حيث اتفق الجميع بكل توجهاتهم وعقائدهم فاتفق الشعب والنظام على هدف واحد وهو مقاومة ذلك الدخيل وغدت الكويت حقاً شعباً واحداً كانت فيه الديمقراطية واحترام الرأي هي الطريق الممدود أمام الجميع فلا غالب ولا مغلوب وبالرغم من كل المعاناة والآلام التي ميزت تلك المرحلة وعلى الرغم من كل الدماء التي نزفت والأموال التي أهدرت إلا أنها اتسمت بوضوح المسار فالهدف واحد حينذاك والآراء كلها كانت مجندة لخدمة الوطن وانتشاله من الكابوس المرعب.
وتأتي مرحلة ما بعد الكابوس ليفيق المجتمع ويتحسس أطرافه وينفض الغبار عن قضايا بدت الآن أكثر إلحاحاً وحدة؛ فمرحلة المقاومة المسوغة بالهدف الواحد قد أتت أكلها وها هي الأرض تعود لتبزغ شمس مرحلة أخرى تبدو أقل ألماً وإن كانت لا تقل مصيرية وكما في الكوارث الطبيعية حيث يصعب مع قوة الزلزال وحدة البركان التنبؤ بالأضرار، كذلك مرحلة ما بعد الغزو في الكويت، فبعد أن هدأ البركان برزت إلى السطح قضايا كثيرة منها ما هو اجتماعي وسياسي واقتصادي، قضايا تتطلب تآزر المجتمع كله قيادة وشعباً مرحلة مقاومة من نوع آخر مقاومة من أجل بناء ما هدم وزرع ما اقتلع، مقاومة تتطلب مساهمة الشعب كله فالكل أبناء وطن واحد لا غالب ولا مغلوب هنا وإنما البقاء لرأي صالح أوسع لكل فئات المجتمع.
ويبقى الهدف واحداً ما بعد الأزمة كما كان خلال الأزمة، مصلحة الوطن، ولأن لكل رأيه في كينونة مصلحة الوطن ولمصيرية هذه المرحلة فإن الأمر يتطلب دراسة لكل الطرق المؤدية إلى تحقيق تلك المصلحة وانتقاء الأفضل منها فلا مجال هنا للأخذ برأي واحد فالمصلحة هنا للوطن وليس لزيد أو عمر من الناس.
وتبرز هنا أهمية الأخذ بجميع الآراء فالوطن وطن الجميع وكما ساهم الكل في بقائه وعودة شرعيته فالكل مساهم أيضاً في الحفاظ عليه من غزو آخر!!!
والرأي الآخر والذي هو سمة الشعوب المتحضرة يكاد يغيب في هذه المرحلة الحرجة ليصبح منشوراً سرياً تتناقله الأيدي بحذر شديد في وقت أصبحت الحاجة فيه ملحة إلى كل رأي يضيف لبنة إلى سور الكويت الجديد. لقد أغفل الكثيرون دورهم في أن يكون لهم رأي في شؤون هذا الوطن إبان مرحلة الاستقرار والتي سبقت الغزو وكانوا يرمون الرأي الآخر بالتهور ويجدون في كل من يطالب بأن يكون له دور في إعداد هذا الوطن الكثير من الإجحاف والتمرد على وطن أعطى كل شيء فالعبرة هنا ليست بالعطاء ولكن بالمساهمة في أن يكون للمواطن دور في صيغة هذا العطاء.
وبرغم ما تتصف به مرحلة ما بعد الغزو من مصيرية إلا أن المكيال لم يتغير على الرغم من أن ما كان صالحاً للوطن قبل الغزو لم يعد كذلك بعد الغزو.
لقد برزت على السطح أمور كثيرة وجديدة لم يسبق وأن مرت بالمجتمع الكويتي، فقد أصبح لدينا شهداء تركونا إلى جنة الخلد إن شاء الله وأسرى ما زالوا يئنون في ظلام السجون ومرافق مهدمة وأسلحة في كل مكان وأخطاء في سياساتنا الأمنية والاجتماعية والإعلامية وغيرها.. كان للغزو أثر إيجابي في الكشف عنها. كل تلك الأخطاء يتطلب ترميمها بشراً يعون أهمية التخطيط قبل التطبيق وأهمية أن تكون هناك سياسة واضحة ترنو إلى مستقبل بعيد لا يهم إن كانت ثمارها ستعود للجيل الحالي أم لا.. فأغلب الشعوب تخطط وتدرس لأجيال وأجيال ولكنها أبداً لا تبدأ البناء بدون خطط مدروسة. أما نحن في هذا الوطن فما زال التخطيط عندنا لا يتجاوز الوصف والتبرير فقط؛ خالياً من أي تحليل أو دراسة، غاب التخطيط في سياستنا الأمنية فنرى المسؤولين يبررون عدم استعمال أجهزة الإنذار في يوم الثاني من أغسطس وعدم استنفار الجيش بعد أن اكتملت الحشود على حدود الوطن وما زالوا يصفون لنا منظر جحافل الجيش المهزوم دون التطرق لأسباب دخول هذا الجيش أصلاً!!
وغاب التخطيط أيضاً في سياستنا الاجتماعية فأوينا من أوينا وشرعنا قوانين استثنائية مؤقتة لأفراد أصبحوا أغلبية في مجتمعنا ثم لفظناهم بحجة أن التركيبة السكانية كانت خاطئة!!
وافتقدت سياستنا الإعلامية للتخطيط أيضاً فأصبح كل يصرح من جهة فتتضارب التصريحات لتؤذي من تؤذي وتهافت إعلامنا ليرمم في شهور قليلة أخطاء إعلامية امتدت سنوات كثيرة كان أثرها واضحاً في توجهات بعض الشعوب العربية من الغزو وافتقدت وسائل الإعلام مصداقيتها واهتزت ثقة المواطن بها لما كانت تتطرق له من أمور ثانوية وغير أساسية مما دعا بالمواطن الانصراف إلى أمور أخرى يستقي منها المعلومة.
وننظر حولنا بعد تحرير أكمل ستة أشهر حررنا فيها الوطن وفقدنا المواطن، فالسلاح في يد الجميع والجريمة في كل مكان، مدارسنا ترسانات عسكرية وحلت الإشاعة محل الإعلام.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى