الأرشيف

ما أبشعنا!

[جريدة القبس 5/8/2014]

ما أبشعنا حينما تعمي التحالفات السياسية نبضنا الإنساني، وما أقبحنا حينما تحكمنا الانتماءات الطائفية والرؤى السياسية، وتجعلنا نغض البصر عن أشلاء الأطفال المتطايرة، وجثث النساء والشيوخ الدامية، لأنها تنتمي إلى أحزاب عدوة وليست حليفة!
هذا هو بالتحديد الموقف العربي اللاإنساني من المجازر والدماء والأشلاء، التي أصبحت أعدادها أكثر من أن تُحصى!
أنا لا أتحدث هنا عن مواقف الدول، فلقد علمتنا الأحداث أن لها حساباتها الخاصة التي قد لا يدخل ضمنها العنصر الإنساني. وإنما أتحدث عن الشعوب والمواطنين العرب، الذين انشغلوا -وبكل أسف- بجرد حساباتهم السياسية والحزبية، التي من الواضح أنهم أسقطوها وبشكل مباشر على دموية المشهد الغزاوي!
قرأنا دائماً ولا نزال نقرأ، وتعلمنا في المدارس وحفظنا للامتحانات، أن الإنسان هو المحور الأساسي في الرسالات السماوية كلها، وأن أسمى غايات الأنظمة القانونية والسياسية ومنظمات حقوق البشر وغيرها هو الإنسان وحريته وحقه في الحياة، لكن أحداث غزة وسوريا والعراق وليبيا، وكل المشاهد الدموية في العالم العربي، أكدت لنا أن كل ما تعلمناه في المدارس، وكل ما سمعناه في أجهزة الإعلام، وما جاء ذكره في خطب أغلب الوعّاظ والدعاة والمشاريخ انتهاك من نوع آخر تحت مسميات دينية وسياسية واجتماعية!
حين يموت الضمير الإنساني يصبح كل شيء مباحاً ومبرراً ومعقولاً، ويتحول معه القتل ومنظر أشلاء الأطفال المتطايرة في غزة إلى مجرد صراع سياسي بين “حماس” أو الإخوان والمنتمين إليهم، وبين طرف آخر يضم إسرائيل والمستفيدين من عدوانها، وهم كثر وبكل أسف! حين تتعطل إنسانية الإنسان وتفقد حواسه قيمتها، تصبح إسرائيل دولة حليفة وصديقة، لها كل الحق في الدفاع عن نفسها، بغض النظر عن كل ما تقترفه من مجازر!
من سوء حظ غزة أنها وقعت فريسة خريطة تحالفات جديدة، لعلها منزوعة الضمير والإنسانية! لكن ذلك لا يُشكّل عذراً كما ذكرت في بداية حديثي للشعوب العربية، التي انجرفت هي الأخرى إلى حلبة تلك التحالفات السياسية الرخيصة، فأطلقت بعض أجهزة إعلامها كل الملامح البشعة في داخلنا جميعاً!
نعم، ما أبشعنا ونحن نسقط تحالفاتنا السياسية على مشاهد أطفال غزة الممزقين، فحين يغيب الضمير يصبح كل شيء حلالاً وبكل أسف!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى