
في العام 1517، وفي صبيحة أحد أيام أكتوبر الباردة، امتدت يد رجل الدين “مارتن لوثر” لتثبت على باب إحدى كنائس “ويتنبرج” بألمانيا، صحيفة تتضمن 95 بنداً يهاجم فيها “مارتن لوثر” تسلط الكنيسة الكاثوليكية آنذاك، وينتقد انحراف رجال الدين في تلك الفترة عن التعاليم الدينية، مندداً بأهدافهم السياسية البحتة، والتي انحرفت عن روح الدين، واستغرقت في دروب الفساد والرشوة، والابتعاد عن جوهر الديانة وأساسها.
وانطلقت منذ تلك الصبيحة حركة الإصلاح الديني في أوروبا لتنتشل الدين والعقيدة من مستنقعات السياسة الوحلة.
اليوم يقف المجتمع الإسلامي بأسره أمام معضلة تتطلب تضافر الجهود وتعاونها في سبيل التشبث بالإسلام ديناً وعقيدة أرسله الله للبشرية خلاصاً ومنهجاً متكاملاً يدفع إلى الرقي بالمجتمع والارتقاء بالبشرية جمعاء.
اليوم يقف المسلمون جميعهم أمام انحراف بشع وشاذ عن الدين والعقيدة، تبدى لنا من خلال التدابير التي أعلنتها قوات “طالبان” بعد أن أحكمت سيطرتها على العاصمة الأفغانية، فارتجلت قوانينها ورؤاها البعيدة كل البعد عن الإسلام منهجاً وديناً وروحاً.
تطورات الصراع في أفغانستان تتطلب من المجتمع الإسلامي تحركاً فورياً يحمي الإسلام والمسلمين من ذلك الخلل الصارخ في تطبيق الدين وأحكامه، فأن يُدشَّن “الطالبان” (وأنصارهم) بمنع البنات من التعليم، أو حبس النساء في المنازل، أو بتحطيم المئات من زجاجات الخمر، وسحقها بالدبابات في احتفال شعبي مثير، بينما – في الوقت نفسه – تُعدّ أفغانستان بأكملها من أكبر مناطق إنتاج وتجارة المخدرات في العالم.
أن يُبرَّر كل ذلك تحت شعار الدفاع عن الدين وتطبيق أحكام الشريعة والإسلام، فإن ذلك يعني أننا مقبلون على حقبة من الفساد الديني لا تقل عن فساد أفراد الكنيسة الكاثوليكية إبان القرن السادس عشر، ولقد شهدنا أمثلة عديدة على ذلك الفساد الديني المصبوغ بألوان صارخة من الطموحات السياسية الضيقة، والأهداف القيادية المحدودة، سواء كان ذلك في التجربة الأفغانية أم في غيرها.
قد يكون من حق القيادات السياسية والأحزاب في أفغانستان أن تسن قوانينها المدنية والسياسية، وأن ترفع شعاراتها المتفقة مع فكرها السائد، ورؤى علمائها وسادتها، غير أنهم لا يملكون الحق في أن يلحقوا بالإسلام وصورته ذلك الأذى والضرر اللذين جعلا الإسلام مرادفاً للجهل وللرعب وللعنف وللتخلف!!
قوانين (الطالبان) تحمل كمّاً هائلاً من الإهانة للكرامة الإنسانية والتي حثَّ الإسلام على الحفاظ عليها والذود عنها. وسواء كانت إهانة موجهة للمرأة بشكل خاص من خلال منعها من التعليم أو كانت موجهة للإنسان بصفة عامة من خلال انتهاك حقوقه الأساسية كالحق في الحياة، فإننا في نهاية المطاف نقف أمام تهميش متعمد للكرامة الإنسانية، وسلب متواصل لأدنى درجات الحقوق البشرية، في سبيل الحفاظ على أغراض سياسية بحتة هي أبعد ما تكون عن روحانية الدين وعظمته وإعجازه.
نحن اليوم وكمجتمعات إسلامية بحاجة إلى حوار حقيقي يجتمع تحت لوائه كل علماء الدين ورجال الفكر الإسلامي، حوار خلاق يعيد ترتيب العناوين الرئيسة للإسلام وقطع الطريق على المستفيدين سياسياً واقتصادياً، والمتسلقين منهم على ظهر الشريعة والدين. فعلى الرغم من دلالات التخلف والردة والتي اتسمت بها مطالب حركة “طالبان” وبالرغم من إصرارها على التحدث باسم الإسلام، وإلصاق تلك الدلالات بالشريعة الإسلامية، إلا أننا لم نسمع عن أي جهة إسلامية عليا كانت أم دنيا تندد بانحراف “الطالبان” عن روح الإسلام أو تستنكر وتُبرئ الإسلام من تلك الممارسات والأفكار المشوهة والشاذة.
العالم الإسلامي اليوم بحاجة ماسة إلى “مارتن لوثر” مسلم يحفظ للدين مكانته، ويخلص الإسلام من تلك الشوائب الطفيلية، التي أعماها بريق المال والسلطة، بحيث لم تعد ترى من تطبيق الشريعة سوى وأد البنات جهلاً وتخلفاً وأميةً.
