ماذا لو غاب عرفات؟!

ماذا لو غاب عرفات؟!
بدأت علامات الزعامة تظهر على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وأصبحت زوجته “السيدة الفلسطينية الأولى”، فارتدت ثوبًا وحقيبة من “شانيل”، وبدأت في الإعلان عن وجوب الاهتمام بالأسرة والطفل الفلسطيني، وشرعت في تفقد أحوال الجمعيات النسائية الفلسطينية، والدعوة إلى مساهمة المرأة في كل مجالات الدولة الفلسطينية.
حظيت زوجة الرئيس الفلسطيني بالسمات المميزة لزوجة الرئيس في عالمنا العربي، بعد أن حظي زوجها الرئيس بالمواصفات الرئاسية المعهودة؛ فالشرطة الفلسطينية على أتمّ استعداد، والمخابرات من ورائها، والقصر الرئاسي يتم تجهيزه، والمباحثات الثنائية التي “تتمخض دوماً عن تعزيز التعاون بين الدولتين”… كل ذلك أصبح أهم ما يميز نشاط الرئيس الفلسطيني.
السؤال الذي يطرحه الآن المؤيد كما المعارض للاتفاق هو: ماذا لو غاب عرفات في هذه المرحلة الحرجة من مسيرة السلام، لأسباب مختلفة، سواء الموت أو المرض؟! وهنا تتفاوت التكهنات، كلٌّ بحسب تصوره لحيثيات توقيع واشنطن في الثالث عشر من سبتمبر.
لقد تحدّث أحد أفلام الإثارة عن إشكالية مشابهة – إلى حدّ ما – لإشكالية غياب الرئيس الفلسطيني الآن. يتحدث ذلك الفيلم عن جريمة قتل تقوم بها زوجة، بمساعدة عشيقها، لقتل زوجها المليونير، إلا أن زوجة العشيق تنجح في تسجيل شريط لحديث بين زوجة المليونير وعشيقها، يصفان من خلاله – وبالتفصيل – خطة الجريمة، والتي ما إن تتم بنجاح حتى تجابهما زوجة العشيق بحقيقة احتفاظها بذلك الشريط – دليل الإدانة – لدى أحد المحامين، والذي سيعمل على تقديم الشريط للقضاء في حال وفاتها، أياً كانت ظروف الوفاة. وهنا تبدأ مسيرة العذاب بالنسبة للقاتلَين، اللذين يصبح همّهما الأول الحفاظ على حياة زوجة العشيق، والتي كانت يومًا ما هدفًا آخر لخطتهما، بعد أن أصبحت حياتهما رهن بقائها سليمة.
حياة الرئيس الفلسطيني – وفي المرحلة الحالية على الأقل – أصبحت أكثر قيمة، ومهمة بالنسبة للطرف الآخر في عملية التوقيع على اتفاقية السلام. فعلى الرغم من أن أهمية ياسر عرفات في البقاء على رأس منظمة التحرير كانت دوماً محط جدل وشكوك من قبل الكثيرين، تمامًا كالشكوك حول بقاء “صدام حسين”، إلا أنها الآن أصبحت مؤكدة بما لا يقبل الشك. فلقد أثار بقاء ياسر عرفات دومًا خارج أي مخطط إسرائيلي لتصفية قيادات في المنظمة، شكوك الكثيرين، إلى حد أن البعض قد ذهب إلى اتهامه بالعمالة، خاصة بعد حادث الطائرة الشهير، والذي جنّدت أمريكا أجهزتها القضائية لتحديد مكان وقوع طائرة الرئيس الفلسطيني لإنقاذه.
الاهتمام ببقاء ياسر عرفات على رأس منظمة التحرير تؤكده حرص الحكومة الإسرائيلية، من خلال موافقتها عند التوقيع في واشنطن، على تعديل وصف الطرف الفلسطيني في الاتفاق إلى: “منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل للشعب الفلسطيني”، بدلاً من: “الفريق الفلسطيني في الوفد الأردني – الفلسطيني إلى مؤتمر السلام في الشرق الأوسط”، وكما كان الحال في “أوسلو” يوم 20 أغسطس 1993.
بالنسبة للموقّعين على الإعلان، فإن بقاء “عرفات” على قمة منظمة التحرير هو مسألة مهمة، ولا شك؛ فالإعلان يحوي الكثير من القضايا المعلّقة والمعقّدة، كقضية القدس مثلًا. فالقدس، بالمفهوم الإسرائيلي، هي القدس الشرقية بما تحويه من مقدسات دينية، بالإضافة إلى القدس الغربية، وكلاهما يشكّلان معاً “العاصمة الأبدية لإسرائيل”، وكما تصرّ الإدارة الإسرائيلية – حتى وهي تسير في طريق السلام – تصرّ على اعتبارها مسألة يجب ألا تُمسّ. بينما القدس، في المفهوم الفلسطيني، هي القدس الشرقية، والتي احتُلّت فيما احتُلّ عام 1967.
قضايا كثيرة، مثل قضية القدس، لا تقبل أسلوب “الأنا أؤكد”، ولا السرّية التي مارسها القادة النخبة من المنظمة في “أوسلو”، وهي قضايا تعلم إسرائيل – أكثر من غيرها – أنها لن تمر بالسهولة ذاتها، لولا فردية “عرفات”، وقرارات “الأنا” العربية الأصل.
عندما انتُخب “ديفيد بن غوريون” لمنصب الأمين العام “للهستدروت”، أو النقابة العامة للعمال اليهود، في العام 1921، بعد أن سار طويلاً في طريق خدمة الصهيونية، كان أول قرار يتبناه هو أن تحل “الهستدروت” محل المنظمة الصهيونية العالمية في إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، بحيث تعمل على إنمائه وتطويره، في سبيل أن يتحوّل العمال اليهود من طبقة إلى شعب، وبحيث استطاع “بن غوريون” خلال عشرين عاماً أن يحوّل النقابة إلى مركز قوة داخل الكيان الفلسطيني آنذاك.
أما “ياسر عرفات”، فقد جاء في قمة أولوياته في إقامة الدولة الفلسطينية: إعداد الشرطة الفلسطينية، والتي سيكون من مهامها معاقبة ومواجهة المعارضين للاتفاق أولاً، أو – بمعنًى آخر – مواجهة كل “لا” في وجه “الأنا أقرّر”.
قد لا نبالغ كثيرًا إذا ما قلنا إن ظروف السلام كانت ستختلف، لو لم يكن هناك “ياسر عرفات”، تماماً كما كانت مستحيلة، لو لم يأتِ “أنور السادات”. ومأساتنا أن الطرف الآخر في معادلة السلام يدرك ذلك أكثر مما ندركه نحن. فعلى الرغم من مناداتهم وحرصهم على احترام الديمقراطية والتعددية، إلا أنهم – وبلا شك – يعلمون جيداً أنها عدوهم الأول… حينما يتعلّق الأمر بديمقراطية الطرف الآخر.
