
في فبراير عام 2020، حضر إلى الكويت ثلاثة من المسؤولين العاملين في الكونغرس الأمريكي، حيث التقوا حينها بمجموعة من الكتّاب والصحافيين والنقابيين الكويتيينن ليستطلعوا رأيهم في العلاقات التجارية الأمريكية مع دول الخليج، مقارنة بنظيرتها في الصين.
أدار اللقاء أحدهم، وكان يتحدّث بعنجهية فائقة، موجهاً حديثه إلى الحضور، ومحذّراً من أن دول الخليج بإمكانها التوسّع في الاستعانة تجارياً مع الصين، لكنها – أي دول الخليج – لن تستطيع الاستعانة بالصين لحماية أمنها، أو لتأمين استقرارها في ظل حروب ونزاعات الشرق الأوسط المستمرة، وقد حرص مسؤول الكونغرس هذا على تحذير الحضور من أن دول الخليج تستطيع أن تشتري آيفون أو نوكيا أو سامسونغ، لكن يجب عليها ألا تشتري هواوي، وقد قال حينها جملته هذه بشيء من الحدّة والانفعال.
الحرب التجارية المشتعِلة اليوم بين الولايات المتحدة والصين، كانت بدايتها الفعلية في عام 2018 مع ولاية ترامب الأولى، حين أعرب حينها عن نيته فرض رسوم جمركية على السلع الصينية، ومع تصاعد حدّة هذه الحرب في عام 2019، توصّل الطرفان في يناير 2020 إلى اتفاقية المرحلة الأولى المتوترة، لكن تم وصف تلك الحرب آنذاك بأنها فشل للولايات المتحدة.
اليوم، وفي ظل تفاقم هذه الحرب، يعلن الخبراء الاقتصاديون أن العالم أصبح يسير نحو انفصال اقتصادي غير مُنظّم، ستدفع ثمنه الولايات المتحدة بالدرجة الأولى.
يستخدم ترامب حججاً مختلفة لتبرير حربه التجارية على دول عظمى، مثل كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي والصين، لكن من الواضح أنه في النهاية يخشى أكثر ما يخشى الصين، هذا المارد الاقتصادي الذي حاول ترامب جهده أن يُلبِسُهُ كل أشكال التهم، بما في ذلك تحميلهم، أي الصين، وزر كورونا، واعتبارهم قد تعمّدوا نشر الفيروس، حتى إنه أطلق عليه اسم الفيروس الصيني.
وإذا كان ترامب وأسواقه قد حققوا مكاسب وقتية من فرض الرسوم الجمركية على الدول، فإن خبراء الاقتصاد، سواء من داخل أمريكا أو خارجها، يؤكدون ضرر الحروب التجارية على الاقتصاد، وذلك على المدى البعيد، وبحسبة بسيطة، فإن إجراءات ترامب الطامحة إلى حماية الصناعات المحلية ليست مستدامة، والمنافسة بكونها عنصراً أساسياً في الاقتصاد ستتراجع، ولكن ليس لمصلحة الصناعات أو المستهلكين محلياً.
ليست هذه هي الحرب التجارية الأولى في التاريخ البشري، والصراع على الإنتاج، سواء في المجتمع الزراعي أو فيما بعد في الحقبة الصناعية، كان كثيراً ومُتشعّباً بتشعب الصراع البشري على الموارد والإنتاج والثروات، من حرب الشاي في مطلع القرن الثامن عشر بين المستعمرين الامريكيين وبريطانيا، إلى حرب عام 1930 بين الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، وكذلك جاءت حرب الدجاج في عام 1962 بين الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، وحروب الأخشاب بين كندا والولايات المتحدة، وحرب الإلكترونيات في الثمانينيات بين اليابان والولايات المتحدة، وحرب الموز في التسعينيات بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، وحرب الصلب في مطلع الألفية بين الولايات المتحدة وأوروبا.
وهكذا تكون الولايات المتحدة هي القاسم المشترك في كل الحروب التجارية منذ القرن الثامن عشر، ولم يسجّل التاريخ، وفقاً لتقارير اقتصادية، أية مكاسب حقيقية للولايات المتحدة من وراء كل هذه الحروب، مما دفع أحد المحللين الاقتصاديين، في صحيفة التلغراف البريطانية، للتعليق بأن حرب ترامب التجارية العالمية تُعد هدية إستراتيجية للرئيس الصيني، وأن الدول المستاءة من الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة ستبدأ بالتحالف مع الصين ضد الولايات المتحدة، وأن بكين بسوقها العملاق تُمثّل بديلاً، وهو ما تؤمن به شريحة كبيرة من الاقتصاديين في العالم، لكن ترامب لن يتراجع، فالعنجهية صعب أن تداويها النصائح الاقتصادية الحصيفة، وطموح ترامب للسيطرة التجارية على العالم سيرتد عليه تماماً، كما ارتدّت عليه عولمة القرية الصغيرة.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:ترامب-الصين-الكونغرس الأمريكي-الولايات المتحدة
