مؤسسة نقاط للإبداع

مؤسسة “نقاط” للإبداع
شد انتباهي خبر أوردته القبس الأسبوع الماضي عن مؤتمر شبابي في نوفمبر تنظمه مؤسسة “نقاط” للإبداع، حيث أوجزت إحدى الشابات من هذه المؤسسة الشبابية في نبذة مختصرة فعاليات هذا المؤتمر، التي ستناقش ظاهرة النسخ واللصق بزواياها المتعددة، وكيف أن التقليد قد لعب دورين مختلفين، حيث يحفز على الإبداع أحياناً، بينما يقلل منه في أحيان أخرى، كما سيطرح المؤتمر ماهية النسخ واللصق إن كان عملاً إبداعياً يخلو من الاقتباس، وعن دور المجتمعات في التعامل مع ما هو أصيل ومستحدث، ودور الفردية في مساعي الإبداع!
المشكلة أن البعض لا يزال يرى في الإبداع تمرداً على النسق العام، والتفكير السائد هذا ينطبق وبشكل خاص على مجتمعاتنا العربية، التي خرجت من ثقافتها أمثلة محبطة، مثل “خالف تُعرف”، وغيرها من إسقاطات على أي محاولة للخروج أو التمرد على النسق المجتمعي السائد!
قد يكون من سمات الطبيعة البشرية الامتثال والانصياع لشروط المجتمع بهدف ترسيخ الانتماء للمجموعة!
فمحاولة الخروج عن المألوف من فكر وموروث وتقاليد تتطلب قدراً كبيراً من الشجاعة والثقة، وكماً معقولاً من المعرفة، بالإضافة إلى عزيمة على مواجهة الخوف من النبذ والإقصاء من قبل شرائح كثيرة في المجتمع!
أخيراً، شاهدت مقطعاً لتجربة طريفة تؤكد مدى قوة الامتثال الاجتماعي، الذي تمارسه الجماعات البشرية داخل مجتمعاتها حتى من دون وعي أو إدراك! التجربة تستعرض مجموعة في عيادة طبية ينتظرون دورهم لكشف النظر، تدخل فتاة من خارج المجموعة وحال جلوسها يقرع جرس، فيقوم الجميع من أماكنهم لحظة، ثم يعاودون الجلوس، طبعاً هذه المجموعة تتبع المشرفين على التجربة، الخلاصة أن الفتاة، وبعد أن كررت المجموعة الوقوف عند سماع الجرس لثلاث مرات، بدأت في تقليدهم من دون أن تعرف سبب وقوفهم أصلاً عند سماعهم الجرس! المثير أكثر في التجربة أن هذه الفتاة، وبعد أن خلت العيادة من كل أعضاء المجموعة تلك، استمرت في الوقوف عند سماع الجرس، ليس هذا فحسب، وإنما دفع وقوفها المتكرر باثنين من المراجعين لتقليدها كذلك، وأيضاً من دون أن يدركا سبباً لذلك!
علم النفس عرف مثل هذا السلوك بالامتثال أو التبعية أو الأمعية، أي الالتزام بالمعايير السائدة في الجماعة أو المجتمع!
وقد اختلف علماء النفس في تحديدهم لإيجابيات وسلبيات مثل هذا الامتثال، فبعضهم رأى أنه مهم لاستمرار الحياة الاجتماعية، والبعض الآخر رأى فيه قتلاً للإبداع وللهوية الشخصية!
المشكلة تكون مضاعفة، ولا شك حين يطول هذا الامتثال الفكر السائد، وبحيث تتحول العقول إلى قوالب متطابقة، ولنتصور مثلاً أحداً مثل نيوتن لم يخالف تفكير أقرانه، ولم يتساءل عن سبب سقوط التفاحة أرضاً، لأنه لو لم يخرج عن النسق العام في التفكير لما خرج قانون الجاذبية إلى الوجود أصلاً. ولو لم يتحدَّ غاليليو الكنيسة، ويصر على أن الأرض كوكب صغير يدور حول الشمس، وأن الأرض ليست مركز الكون، لما امتد علمه إلى أنشتاين وغيره!
الإبداع في أحسن وصف له هو خروج عن المألوف، يحتاج إلى خيال أوسع وثقة وشجاعة ومعرفة وقدرة على التمرد على شروط الامتثال الفكري والمجتمعي!
