غير مصنف

مؤسسة التقدم العلمي.. وكذبة أبريل!!

[جريدة الطليعة 17/11/1999]

الحديث عن تنمية عملية البحث العلمي، وتحديث قدرات الشباب العلمية ومساعدتهم على التفكير والتحليل العلمي لا يتحقق من خلال رغبة، ولا توفره قرارات وقوانين مكتوبة!! وهو أمر أدى إلى اعتراض كثير من المواطنين وشكوكهم حول جدوى بعض المؤسسات التي أنشئت لهدف (رعاية البحث العلمي) وكما هو حال مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، ومعهد الأبحاث وغيرهما من المؤسسات التي عجزت عن تحقيق أهدافها بسبب ذلك الخطأ في إدراك شروط ومتطلبات تنمية العقلية البحثية والعلمية لدى المواطن بشكل عام!!
يذكرنا ذلك (التلهف) الذي تبديه تلك المؤسسات (العلمية) على تحويل المجتمع إلى مجتمع علمي وباحث وحديث، بلهفة بعض الدول العربية على التحول نحو التصنيع والصناعة، بسرعة قياسية أدت إلى ما يسمونه في علم الاجتماع والسياسة بحرق للمراحل المهمة والأساسية في سبيل ذلك النمو والتحول، مما أدى إلى فشل وقصور في تلك التجارب، أو إلى ضآلة عوائدها الاقتصادية والاجتماعية، وكما حدث في التجربة الصناعية المصرية، حين رأت القيادة السياسية ضرورة التحول نحو مجتمع صناعي وأصدرت القرارات باتخاذ اللازم، وتم آنذاك استيراد التكنولوجيا والصناعة الثقيلة من روسيا، وتوطينها في التراب المصري دون أن يسبق تلك الخطوة تنوير وتحديث للمجتمع المصري من الداخل، وتأهيل المواطن الفلاح لمناخ المصانع ولكل إسقاطات وآثار المجتمع الصناعي بشكل عام!! بل لقد سقط الاتحاد السوفيتي مع كل ما كان يمثله من كيان سياسي قوي وهائل، لأن بدايته مع التحول نحو الصناعة قد اختزلت مراحل أساسية، وبدأت من النهاية!! ورأينا تكلفة ذلك. من خلال انهيار ما يزيد عن خمسين عاماً من الجهد والعمل عاد معها الاتحاد السوفيتي السابق ممزقاً، فقيراً وعاجزاً!
قد نكون في هذا الوطن بحاجة ماسة إلى إثارة خلايا البحث والتفكير العلمي في عقول ونفوس أبنائنا بل والمواطنين بشكل عام وشامل!! لكننا بلا شك قد عجزنا وفشلنا في إصابة الهدف، بدليل ضآلة مناخ الإبداع والمبدعين بشكل عام واستمرار ثقافة وروح التلقين والترديد التي تسود مؤسساتنا التعليمية والثقافية!! بل ولم تنجح أي من المؤسسات التي قامت بهدف تنمية روح البحث العلمي في تبديل ذلك الواقع وتغييره لأنها وكما الثورة في روسيا والصناعة في مصر بدأت من النهاية ولم تخط الخطوات الأولى والأساسية!! ويأتي على رأس هذه المؤسسات، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي والتي قامت بناء على رغبة أميرية كانت تطمح إلى رعاية وتنمية البحث العلمي لدى المواطن الكويتي!! إلا أنها وبكل أسف لم تنجح ومنذ قيامها في تحقيق أي من أهدافها المدونة في ميثاق إنشائها، ولم تخلق أي علاقة مستمرة ومتواصلة مع المواطنين من الشباب والناشئة الذين كانوا الهدف الأول والأساسي من وراء إنشائها، بل وبقيت معزولة تماماً، لا تخرج إلى المواطن إلا خروجاً موسمياً تعلنه المؤسسة من خلال جوائزها المخصصة للمبدعين والتي غالباً ما تُحجب لندرة واضحة في هؤلاء!! بل وعمدت إدارة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي مؤخراً إلى اختزال طريق تنمية البحث العلمي ورعايته بإعلانها عن (صرحها) العلمي الذي سيفتتح في الأول من أبريل في منطقة السالمية!! والذي تهدف من ورائه وكما جاء في تصريح أحد مسؤوليها إلى تعميم فائدة الأبحاث والأطروحات العلمية والندوات والمحاضرات وتوفيرها لعامة الشعب تحقيقاً لدورها السبَّاق دائماً إلى رعاية البحث العلمي وتنميته؟!!
المشروع (العلمي) الذي جاء كخلاصة لجهود هذه المؤسسة ما هو سوى متحف، يحوي صالة بها مائة جهاز تعرف الطفل على كيفية توليد الكهرباء وانتقال الصوت، وتكوين الكثبان الرملية والظواهر الطبيعية كالزلازل والبراكين!! بالإضافة إلى اطلاع عامة الشعب على نماذج من السفن الشراعية الكويتية كالسنبوك والجالبوت والشوعي!! وأيضاً يحوي هذا (الإنجاز العلمي) متحفاً للأحياء المائية، يعرض أسماكاً من جميع البحار والمحيطات!! باختصار هو مشروع قد يكون جميلاً فعلاً، لكنه يعبر عن درجة فشل هذه المؤسسة وعجزها عن تحقيق أهدافها المعلنة في الرغبة الأميرية السامية!! فالمشروع لا يتعدى كونه متحفاً لا علاقة له بالتقدم العلمي ولا بتنمية روح البحث ورعاية العقول الشابة!! تكلفة المشروع جاوزت خمسة وعشرين مليون دينار، وهي تكلفة لا شك مرهقة وعالية خصوصاً مع روح التقشف السائدة في الوطن، وعجز الميزانية الذي يرهق الجميع!!
إن مشاريع كهذه أصبحت تثير تساؤلات لدى المواطن حول فاعلية وجدوى مؤسسات كالتقدم العلمي، وعن دورها المفقود في تنمية ورعاية البحث العلمي والعقول الشابة، وانعزالها الواضح عن عامة الشعب والذي تحاول مؤسسة الكويت للتقدم العلمي هنا أن تتجاوزه بمشروعها (السمكي العلمي الكبير)!! لكنها ولا شك تبقى مشاريع هدفها ذر الرماد في العيون، وإخراس الأصوات الناقدة لا أكثر ولا أقل!! غير أننا جميعاً معنيون بفشل هذه المؤسسات (العلمية)، بعد أن أصبحت مكلفة مالياً ومعنوياً!! والمطالبة بتقويم دورها وأدائها أصبح حقاً لنا وواجباً علينا جميعاً!! وذلك لكي تعمم الفائدة من وراء إنشائها حقاً لا زيفاً وذلك عن طريق دمجها بمؤسسات الوطن العلمية والتعليمية من مدارس ومعاهد وجامعة، وليس من خلال مشروع (علمي) زائف، يكفيه أن يأتي افتتاحه رسمياً في الأول من أبريل مع ما يحمله هذا التاريخ من معنى وكناية!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى