
مبنى المنظمات العربية.. والصرح النفطي
تناولنا وعلى مدى خمس حلقات بعضاً من مؤسساتنا المدللة، والتي لا تزال تنعم بترف ودلال لم يعودا منطقيين ولا مقبولين في ظل الظروف الاقتصادية العصيبة التي يمر بها الوطن، ومع بدء مشاريع الحكومة التقشفية لفرض الضرائب على المواطن، ورأينا من خلال تلك الجولات درجة الإسراف التي تتمتع بها تلك المؤسسات مقارنة بغياب عائد مالي مماثل أو عطاء علمي أو ثقافي ملموس ومحسوس.
وقد انعكس إسراف تلك المؤسسات ودلالها على هيئتها الخارجية ومبانيها، والتي بدت كالرتوش الزائفة لإخفاء واقع وجوهر مؤسف ومتدني العطاء والفعل.
فمؤسسة الكويت للتقدم العلمي تفخر بمبناها الفخم الذي كلف الملايين، وتصر على إقحام الصفة العلمية حتى على المبنى، فتقول في أحد تقاريرها: “يتألف المبنى من تسعة أدوار، حيث روعي في التصميم اختيار القياسات والأبعاد وربطها بالتقنية الحديثة ذات الطابع العلمي”.
ويتمتع معهد الكويت للتقدم العلمي بمبنى يحتل مساحة 28000 متر مربع، ويتصف بتصميم متخصص وورش فنية ومعامل يفوق عددها عدد الأبحاث التي أجراها المعهد.
وتتفوق مؤسسة الخطوط الجوية الكويتية على هاتين المؤسستين بمبناها الجديد الذي يحتل مساحة 130 ألف متر مربع، منها 36 ألف متر مربع مبنى الإدارة، و60 ألف متر مربع فضاء ستتحول إلى مساحات أشجار وزهور ونافورات مياه، بينما تمتد الممرات العريضة داخل الإدارة، بنوافير على الطراز العربي الأندلسي، بالإضافة إلى زجاج باللون الأزرق العاكس للضوء، كما يتداخل الألمنيوم والسيراميك مع المشربيات العربية، وقد بلغ سعر متر البناء في “الكويتية” 278 ديناراً، وبلغت كلفته الإجمالية 14.5 مليون دينار، وتشارك تلك المؤسسات في إسرافها الخارجي هيئات ومنظمات أخرى يتضاعف على ما يبدو ترفها المعماري مع تدني عطائها وعملها وجدواها! ويأتي على رأسها “مبنى المنظمات العربية” الذي يفترض أن يكون حاضناً لأربع منظمات عربية اقتصادية هي، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والمنظمة العربية المصدرة للبترول (أوابك)، والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار، والشركة العربية لنقل البترول، غير أنها وللأسف لم تضف شيئاً إلى الواقع الاقتصادي العربي، فأرادت أن تعوض بعضاً من عجزها هذا من خلال “تعريب” مبناها الذي ينافس في إسرافه خيال مترفي عصر هارون الرشيد، فالمبنى ذو الخمسة آلاف متر، وبارتفاع يتجاوز 45 متراً، وبتكلفة خيالية وصلت إلى 45 مليون دينار، قد أصر على ممارسة عروبته من خلال استخدام مواد بناء من مصادر عربية، وأيضاً عمالة عربية بلغ عدد الحرفيين فيها خمسة آلاف وخمسمئة عامل عربي الأصل والنشأة!
ويمضي مبنى المنظمات العربية في الإصرار على ممارسة عروبته، مؤكداً على أن فكرة المبنى مستوحاة من البيت العربي القديم، يتوسطه “حوش” تحيط به الأشجار، ويتخذ السجاد طابعاً خليجياً، أما النحاس والزخرفة فقد أتت من التراث المغربي، كما جاءت من مصر أعمال الخشب والأثاث والديكورات والأشكال الهندسية والأبواب، وكلها صنعت يدوياً وبأيادٍ عربية خالصة، فمن سوريا صنعت الدروع والأعمال الخشبية المنقوشة، ومن الأردن جاء الرخام، وفي السعودية صنع الزجاج، ومن دبي الأبواب الخشبية! فكانت خلاصة ذلك مبنى تفوق ضخامته حجم “أبو الهول”، يعلوه حجر الغرانيت الفاخر، وتتوسطه أكبر مشربية في العالم وعلى الطراز الشرقي العربي، والمثير هنا ليس فخامة وإسراف المبنى وحسب، وإنما في أنه جاء كأول أولويات إعادة الإعمار بعد التحرير، حيث كان أول المشروعات التي بدئ بتنفيذها بعد عودة الروح للوطن.
وكحال مؤسساتنا الأخرى، فإن فخامة مبنى المنظمات العربية وبذخه يخفيان وراءهما عجزاً واضحاً لتلك المنظمات عن تحقيق برامج تنموية عربية حقيقية وجادة.
إن مشاريع مسرفة كهذه لن تضيف شيئاً إلى واقع مؤسساتنا، ولن تؤدي فخامتها إلى تحقيق أهدافها وبرامجها المعلقة دائماً، بل إنها مشاريع تتعارض تكلفتها المالية وترفها وإسرافها مع الظروف المالية الصعبة التي يمر بها الوطن، ويبدو بذخها مهيناً للمواطن الذي يدرك حجم وأبعاد التدهور الاقتصادي القائم، غير أن الدولة ماضية في رعاية مثل هذه المشاريع المكلفة، حيث وضع حجر الأساس لـ “تحفة” معمارية جديدة، هي المجمع النفطي العملاق المزمع إقامته على ضفاف الخليج، بمساحة تصل إلى 53 ألف متر مربع، وبميزانيات فلكية ستطرح في مناقصات على مراحل، ويتكون المشروع من برجين ضخمين، بسقف زجاجي ضخم وحاجز أمواج، وتصميمات زجاجية للحد من الحرارة والضوء، وأثاث منتقى لتصميم داخلي فخم وخيالي.
لا أحد يعترض على العمارة الأنيقة، ولا على فن البناء الجميل، لكن ذلك لا يجب أن يكون على حساب جوانب أخرى أكثر جوهرية وأهمية، ولا أن يكون ذلك أسلوباً لإخفاء ملامح قصور في الأداء وتقصير في العمل كالتي رأيناها في جولاتنا داخل مؤسساتنا المدللة، فقد نتفهم حرص متحف يعرض فنوناً وتراثاً وتاريخاً، على نافورة دمشقية، وقاعة على الطراز المملوكي ومشربيات على الطراز الشرقي، لكن أن يكون ذلك في مؤسسة دورها الأساسي تنمية المجتمع والفرد العربي، فإنه يكون دلالة على ترف وإسراف ودلال تلك المؤسسة!
