غير مصنف

مؤسسات الدولة المدللة(5)

[جريدة القبس 31/5/1999]

الأمانة العامة للأوقاف
لو كتب لاستجواب الوزير “الكليب” الاستمرار وفقاً للإجراءات الدستورية المستخدمة عادة في مثل هذه الحالة، لدخلنا من خلاله إلى عالم الوقف الخفي، ولتكشفت لنا تلك الخصوصية، التي طالما تمتعت بها الأمانة العامة للأوقاف. إن المعنى الشرعي للوقف هو “حبس المال” عن الأبناء والأحفاد والأقارب، وذلك بهدف إنفاقه في تنمية المجتمع حضارياً وثقافياً واجتماعياً، ولتخفيف العبء عن المحتاجين في المجتمع، ويشترط أن تستثمر الأموال الوقفية وريعها في حدود شروط الواقف، وتعتبر هذه الوقفية كالوصية لا يجوز تغييرها أو تبديلها.
وقد تطوع بعض أهل الخير قديماً لرعاية أموال الوقف وإدارتها، إلى أن تأسست دائرة الأوقاف في عام 1949، حيث بدأت في تجميع وثائق الوقف وتنظيمها، وقد تبلورت اختصاصات دائرة الأوقاف في إدارة الأوقاف التالية: الأوقاف التي لم يكن لها قيم ولا ناظر، والأوقاف التي اشترط الواقفون أن ما زاد عن حاجة المسجد يصرف في سبيل الخير لأقاربهم، وأيضاً الأعيان الوقفية الموقوفة على الذرية، ولم يبقَ منهم أحد، والأوقاف الأهلية التي تصدر المحكمة الشرعية قراراً بأن تكون إدارتها بمعرفة الأوقاف.
واستمر هذا الوضع إلى أن صدر المرسوم الأميري في عام 1993 القاضي بإنشاء أمانة عامة للأوقاف تتولى كل ما من شأنه الحث على الوقف والدعوة له واستثمار وإدارة أموال الأوقاف الخيرية، وإقامة المشروعات تحقيقاً لشروط الواقفين، ورغباتهم والتنسيق مع الأجهزة الرسمية والشعبية في إقامة المشروعات التي تحقق شروط الواقفين ومقاصد الوقف، وتساهم في تنمية المجتمع.
لقد استمدت الأمانة دلالها ورفاهيتها من تلك المسحة المقدسة التي طالما لمح إليها العاملون فيها، متسلحين بالشريعة الإسلامية، وبالمفهوم الديني للوقف، مرددين دائماً أن دورهم في الأمانة يحتم عليهم درجة عالية من التجرد من أي أهداف سياسية أو اقتصادية (زائلة).
غير أن واقع الأمانة هو بالتأكيد لا يعكس ذلك إطلاقاً، فلقد نمت وتوسعت، وأصبح لها ثقل سياسي واقتصادي يطيح بأفراد وينصب أفراداً، ولعل في معركة الاستجواب الأخير ما يشير إلى ذلك الدور القوي الذي تلعبه الأمانة العامة للأوقاف.
وبذلك تكون قد دخلت معترك السياسة، الذي لا يملك نزاهة وتجرداً وإخلاصاً للدين والشريعة والوقف، وتوسعت قاعدة الأمانة العامة للأوقاف مع توسع أموالها الوقفية التي تبلغ 200 مليون دينار، وبإيرادات تصل إلى 11.6 مليوناً سنوياً! وبدأ منهجها السياسي وفكرها الحزبي في التشكل، وطغت شهيتها الاستثمارية على شروط الإنفاق الوقفي، وأصبحت أموال الوقف تستثمر في مشاريع ليس بالضرورة أن تكون متقيدة بالشريعة الإسلامية، وكما حدث في المنتجع السياحي المصري الذي تساهم الأمانة بنصف رأسماله مع كل ما يعنيه مثل هذا المشروع من سباحة مختلطة، ومطاعم توفر الكحول لزبائنها!
بل وأمعنت الأمانة العامة للأوقاف في ترفها ودلالها، فأصبحت توزع الهبات والجوائز من أموال الوقف، فتبرعت الأمانة بما يزيد على خمسة آلاف دينار، قيمة جوائز لسباق الخيل! كما تبرعت بمئة ألف دولار لاتحاد الطلبة في أمريكا، الذي يتفق مع مزاج وفكر إدارة وعاملي الأمانة بصورة أهلته لمثل هذه المنحة، كما قدمت الأمانة دعماً مالياً لجامعة الكويت، وذلك لتوفير كتب المقررات الدراسية للطلبة، كما لو كانت الجامعة من الجهات المستحقة شرعاً لتلك الأموال الوقفية! وأيضاً قدمت لجنة المنح في أمانة الأوقاف منحاً قيمتها 18.500 دينار إلى جهات حكومية! على الرغم من أن مرسوم إنشاء أمانة الأوقاف قد ركز على شروط إدارة أموال الوقف واستثمارها بالصورة التي تحقق المقاصد الشرعية للوقف، وتثري المجتمع حضارياً وثقافياً واجتماعياً لتخفيف العبء عن المحتاجين في المجتمع.
وإمعاناً من أمانة الأوقاف في الدلال والترف فقد أسرفت في مراعاة موظفيها، الذين حصدوا في عامين مكافآت شهرية بلغت أكثر من 586 ألف دينار! كما وفرت الأمانة لموظفيها مكافآت أعمال ممتازة بلغت أكثر من 184 ألف دينار خلال عامين فقط، على الرغم من الرواتب الفلكية التي يحصل عليها موظفو الأمانة، حيث بلغت أكثر من مليون ونصف المليون دينار توزعت على 126 موظفاً فقط! وفوق كل هذا فإن هنالك مكافآت شهرية تصرف لموظفي الأمانة بدلاً من امتيازات السكن والسيارة والهواتف النقالة وأجهزة المناداة، تحت مسمى “الفارق الوقفي”، وهي تصرف من أموال الواقفين، وقد تصل إلى ألف دينار للموظف! وأيضاً يحصل موظفو الأمانة على مكافآت شهرية لتكليفهم بالإضافة إلى أعمالهم بأعمال أخرى كرئاسة لجنة أو مشروع، وتصل إلى 500 دينار للموظف، وهي أيضاً من أموال الواقفين! كما حصل أكثر من موظف من وزارات وهيئات أخرى على بعثة دراسية بكامل مخصصاتها، وتصرف من أموال الواقفين، وتجدر الإشارة هنا إلى حصول قيادي بارز في الأمانة على مهمات وقفية خارجية بلغ مجموعها 180 يوماً في عام واحد، بينما حصلت ثلاثة أسماء على مبالغ مالية كبيرة في كشف الأعمال الممتازة، وكشف الفوارق المالية الشهرية على الرغم من أنه لا وجود لتلك الأسماء الثلاثة في كشف الموظفين الأصليين أو المنتدبين!
من المؤسف حقاً أن يتحول هدف سامٍ كهذا، ونهج إسلامي حكيم وهادف، ليصبح طرفاً في الجدال والعراك السياسي القائم، وبحيث أصبح الانتماء الفكري والسياسي هو المعيار في تحديد الفئات المحتاجة والمستحقة للمال! فلو لم يكن اتحاد الطلبة مثلاً متفقاً فكرياً مع الأمانة لما استحق تلك المنحة الوقفية، بدليل أن كل مديري الصناديق الوقفية هم من الأعضاء السابقين في قيادة اتحاد الطلبة، ولا نتصور أن تكون تلك محض صدفة لا غير!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى