غير مصنف

مؤسسات الدولة المدللة (1)

[جريدة القبس 3/5/1999]

مع انحسار زمن الوفرة والرخاء، تقف الدولة موقف العاجز عن القرار بين فرض الرسوم والتعريفات الضريبية على المواطنين، وبين الاستمرار في احتضانهم وطيهم تحت مظلتها الرعوية والوظيفية، وهو عجز أصبحت الحكومة تعبر عنه في أكثر من موقع من خلال حذرها الواضح عن إثارة ضرورة مساهمة المواطن في بعض الأعباء المالية والاقتصادية، والذي أصبحت تفرضه ظروف الوطن الحالية.
لقد حملت الدولة، وعلى مدى خمسة عقود، عبء رعاية المواطن والإشراف على تعليمه وتطبيبه وإسكانه، بالصورة التي عاصرناها جميعاً، وقد أفرطت الدولة في ذلك ولم تراعِ احتمالات عجزها عن الاستمرار في تلك السياسة مستقبلاً، والتي قد تفرضها متغيرات سياسية أو اقتصادية، كالتمدد في الحجم السكاني مثلاً أو التراجع في عوائد الثروة الوطنية.
كذلك أدت سياسة الترف تلك إلى خلق مواطن مترف بلا طموحات ولا تحديات حقيقية، يجد صعوبة كبيرة في التنازل عن أي من مكتسبات الترف تلك، ويحضرني الآن ذلك التذمر والانزعاج اللذان عبر عنهما المواطنون حين تم إيقاف وجبات الغداء والإفطار عن المدارس، ما عدا رياض الأطفال، وحين توقفت الدولة عن توفير الملابس والأحذية المدرسية بالمجان لطلبتها.
ولم يكن إسراف الدولة على ترف المواطنين وحسب، بل كان إسرافها كذلك على مؤسساتها ووزاراتها وفي مخصصات بعض النخب العاملة في تلك المؤسسات.
اليوم، وقد أفقنا فجأة لنجد أن زمن الوفرة والتبذير قد انقضى، ولنراجع في دفاترنا القديمة أسباب تبخر تلك الأموال الطائلة، ولنحاسب أنفسنا ونسألها عن مالنا كيف أنفقناه، لنجدنا قد حملنا المواطن الجزء الأكبر من تلك المسؤولية، أليست رعايته التعليمية والطبية والإسكانية والتوظيفية هي التي أتت على الجزء الأكبر من ميزانية الدولة؟! أليس توفير السكن والوظيفة الحكومية، والتعليم الأساسي والعالي هو ما نحن بصدده الآن من مشاكل؟ لا أحد ينكر ضرورة مساهمة المواطن في تحمل بعض الأعباء، شأننا في ذلك شأن كل المجتمعات البشرية، لكن أن تحاصر الدولة المواطن بتبعات مالية مرهقة في الوقت الذي تصر على التمتع بإسرافها وترفها هو ما يرفضه المواطن الضحية لذلك الهدر والإسراف والترف غير المدروس.
فإذا كانت الحكومة مصرة على ضرورة شد الحزام على بطون المواطنين لأسباب وطنية خالصة، وبهدف مساندة الدولة ومؤازرتها لتجاوز أزمتها المالية والاقتصادية الحالية، فإن المواطن في الجانب الآخر مصر على أن ترقى الدولة بذلك الحس الوطني وأن تمارسه هي كذلك من خلال شد الحزام على بطون بعض المؤسسات والهيئات ذات الصفة الشكلية البحتة، والتي كان إنشاؤها واستمرارها من متطلبات وشروط أناقة ورفاهية زمن الوفرة الذي ولى، ومن هذه المؤسسات الأنيقة المدللة، معهد الكويت للأبحاث العلمية الذي أنشئ بمرسوم قانون في عام 1981، دون أن نرى منه إنجازات حقيقية ملموسة، بخلاف مشروع مسح التربة في دولة الكويت والذي لا يمل المعهد من تكراره في كل مناسبة، وقد بلغت إحدى ميزانيات المعهد عن عام 96/1997، مثلاً سبعة عشر مليوناً وثمانمئة وخمسة عشر ألف دينار، بلغ فيها دعم الحكومة من ميزانية الوزارات والإدارات الحكومية حوالي أربعة عشر مليوناً وواحداً وسبعين ألف دينار!
ويأتي كذلك على رأس تلك المؤسسات المدللة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، ومؤسسة الخطوط الجوية الكويتية، وأيضاً المجلس الوطني للثقافة والفنون، وكلها مؤسسات حكومية تستحوذ على ميزانيات خيالية، وتتمتع بدرجة عالية من الرخاء والإسراف المالي الذي لا يقابله أداء أو إنتاج مثمر وبناء متواصل يخدم المجتمع والدولة والمواطن، ويشفع لتلك المؤسسات شراهتها المالية المفتوحة دائماً.
وتنطبق تلك الشراهة أيضاً على بعض المباني في الدولة، كمبنى وزارة النفط الجديد، ومنظمة الأقطار العربية (الأوابك)، وأيضاً المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، والصندوق العربي، ومنظمة المدن العربية.
ولكي نضمن القدر الأكبر من الموضوعية ونحن نتناول جوانب الإسراف في تلك المؤسسات، والذي يجب إدراجه تحت شعار التقشف وشد الأحزمة على البطون، فإننا سنتناول كل مؤسسة على انفراد، لنلقي ما استطعنا من ضوء على كل منها، ولنقارن بموضوعية بحتة بين تكلفة تلك المؤسسات وعوائدها المالية، ولتكن بدايتنا مع أولى مؤسساتنا المدللة، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى