مؤتمر لتحرير العراق

مؤتمر لتحرير العراق
لا نستطيع أن نقول إلا أن القمة العربية الأخيرة قد انتهت بانتهاك حق الإنسان العراقي، وذلك حين لاحت في الأفق مبادرات المصالحة والعودة للنظام العراقي الحاكم، ولا نقول للعراق على الرغم من كل ما يعنيه ذلك من استمرار لمعاناة الشعب العراقي المسكين!
لا أعلم كيف نسي أو تناسى المجتمعون مشهد الرئيس العراقي وهو يمزق اتفاقية الجزائر لعام 1975 التي وقعها مع إيران، ليبدأ بعدها حربه المجنونة ذات الأعوام الثمانية! لا أعلم كيف تجاهلت القمة ذلك وهي تأخذ على الوفد العراقي تعهداً خطياً بعدم تكرار الاجتياح، واحترام سيادة الكويت، وحل قضية الأسرى، وإعادة الممتلكات واحترام أمن العراق ووحدته وسلامته الإقليمية.
هنالك، ولا شك، حدود دنيا للاتفاقات والمعاهدات، أقلها أهلية الأطراف للثقة والالتزام بما نصت عليه تلك الاتفاقات وهو شرط أساسي لنفاذ وفعالية أي اتفاق بين أي أطراف.
ذلك الشرط ليس موجوداً في صحائف ولا أخلاقيات النظام العراقي، وكلاهما، أي التاريخ والواقع، يقولان ذلك ويؤيدانه.
لذا، فإن التعهد الذي أخذته القمة على نظام بغداد لن يخدم أياً من طرفي الحالة، فلا الكويت أمنت بذلك التعهد مخاطر وطموحات النظام العراقي، ولا العراق ضمن تغيراً في نهج جلاده وتجاوزاته!
لا نقول إن على القمة العربية أن تتدخل في شؤون العراق الداخلية، ولكن نقول إن على العرب مقاطعة النظام كما قاطعه العالم، وعدم القبول بعودته إقليميا إلا إذا أبدى مبادرات فعلية وملموسة تضمن للمواطن العراقي واقعاً بلا خوف. إن المأساة العراقية المتمثلة في استمرار نظام كهذا هي مسئولية عربية، ومن الغبن أن نعتبرها غير ذلك، لذا فقد كان الأجدى بالعرب الذين اجتمعوا في بيروت تذكير موفدي الرئيس العراقي بشروط الانتماء إلى عالم يرفض أن يكون الخوف والبطش هما أدوات الإدارة والقيادة!
يواجه العراق في الداخل مخاطر التفتت على الطريقة الأفغانية أو الصومالية، فالشمال العراقي أصبح منطقة منفصلة بعد حرب الخليج الثانية، أما الجنوب الذي شهد الانتفاضة الشعبية المسلحة بعد حرب الخليج، التي تم قمعها خشية سقوطها تحت النفوذ الإيراني، فقد فصل عن الدولة المركزية إما بفعل بعض حركات المقاومة المسلحة أو بفعل القيود التي لا تتوقف زعامة بغداد عن فرضها على تلك المنطقة المنكوبة.
لقد حولت سنوات طويلة من الحروب الغبية، وأخرى من الحكم الدكتاتوري المستبد، حولت العراق إلى أطلال ينعق فيها البوم، وتحول الشعب العراقي الذي كان يوماً من أكثر الشعوب العربية تعليماً وثقافة إلى طوابير طويلة من المجندين الأميين، أو المواطنين المعاقين بفعل آلة الحرب، أما موارد العراق الغنية فقد دفنتها ولوثتها تجارب الأسلحة البيولوجية والجرثومية، ليبقى فيما بعد المواطن العراقي يبيع أشياءه وحاجاته في ساحات القطر الترابية، وليغادر من استطاع أرضه الثرية مشتتاً ومهجراً في أنحاء الأرض!
ألا يستأهل وضع مخز كهذا بعض الجهود من العرب الأشاوس؟! ألا يعيق استمرار دكتاتورية – كالتي عبثت بالعراق وأهله – كل مخططات العرب للنهوض وللتقدم؟!
أسئلة لا يملك المرء أن يتجاهلها وهو يراقب مصالحة العناق والقبل مع رئيس الوفد العراقي عزة إبراهيم.
نتذكر جيداً نحن هنا في الكويت المعاناة والاستياء اللذين خيما علينا ونحن نرى الدعم الذي قدمته بعض الأنظمة العربية لنظام صدام حسين حين دخل الكويت غازياً، ونتصور أن هذه المعاناة لم تفارق عين الشعب العراقي وهو يراقب المصالحة العربية مع جلاده! والتي إن عبرت عن شيء فإنما تعبر عن سذاجة سياسية وقصور في فهم طبيعة حاكم بغداد، بالإضافة إلى كونها تشكل غياباً واضحاً للوعي الديمقراطي ولحقوق الإنسان.
المطلوب إذن أن يسخر العرب بعضاً من جهودهم لتحرير العراق الحزين من الدكتاتورية والإرهاب والخوف والقهر السياسي، وليس لمصافحة جلاديه وقاتليه.

