غير مصنف

مأزق الإدارة الحكومية بين المجالس العليا والهيئات

[جريدة القبس 16/2/1993]

إن المراقب للساحة السياسية اليوم يشهد ذلك التسابق المحموم والاندفاع الكبير بدرجة عالية من الحماس إلى إنشاء المجالس العليا ومؤخراً الهيئات العامة على مستوى الدولة ليتمدد جهاز الإدارة بالدولة بشكل أخطبوطي ومتشعب ولن نناقش الأمر هنا من منطلق الحماس مع أو ضد هذا التوجه.. ولكن دعونا ننظر إلى الأمور بشكل علمي وموضوعي ومن وجهة النظر الإدارية على وجه الخصوص لعلنا نتفق على حل مناسب للمأزق الذي تعيشه الإدارة الحكومية اليوم والذي نعاني منه جميعاً كأفراد في هذا المجتمع وأن لا نعمل بقصد أو بغيره في زيادة مأزق الإدارة الحكومية التي أصبحت تعاني من التشتت والتشرذم بين أجهزة عديدة تتنازع الاختصاصات نفسها وتختلف في المسميات.
وقد لا نبتعد عن الحقيقة كثيراً إذا قلنا إن الإدارة الحكومية، في كثير من أجهزتها ووزاراتها، تتعرض اليوم لاختناقات عديدة تنعكس بوضوح على أدائها. وتتجلى هذه الاختناقات في غياب الرؤية المستقبلية، وضعف التخطيط السليم لأعباء العمل ومتطلباته، فضلاً عن بطء الإجراءات وتعقيدها، وانخفاض مستوى الإنتاجية، وتخلف أساليب العمل، ومشكلات إدارية عديدة يصعب حصرها في هذه المقالة القصيرة.
وقد بدأ البحث منذ وقت طويل عن وسائل وأساليب لعلاج هذه الأمراض الإدارية، بهدف تطوير الإدارة الحكومية والنهوض بأدائها.
وفي هذا السياق، بدأت تلوح في أذهان بعض المسؤولين في الدولة فكرة إنشاء ما يسمى بـ”المجالس العليا” كإحدى الاستراتيجيات الجديدة لتحقيق الإصلاح المنشود، حيث أنيطت بهذه المجالس مهمة رسم السياسات والتخطيط وأنيطت مهمة التنفيذ بعد ذلك بالأجهزة التنفيذية داخل الوزارات المعنية فرأينا مثلاً مجلساً أعلى للتخطيط ووزارة التخطيط. ومجلساً أعلى للبترول ووزارة النفط. ومجلساً أعلى للدفاع ووزارة الدفاع. ومجلساً أعلى للمرور وإدارة المرور في وزارة الداخلية. ومجلساً أعلى للأسكان وهيئة عامة للإسكان ووزارة الإسكان سابقاً، ومجلساً أعلى للتعليم ووزارة التعليم.. وغيرها مما فاتني ذكره من مجالس تعددت مجالاتها ومهامها.. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأنا نشهد في الآونة الأخيرة تسابقاً بين السلطتين؛ التنفيذية ممثلةً في مجلس الوزراء، والتشريعية ممثلةً في مجلس الأمة، على إنشاء كيانات إدارية جديدة، تمثلت في: الهيئة العامة للشباب والرياضة، والهيئة العامة المقترحة لشؤون الوافدين، والهيئة المقترحة للصناعة، والهيئة العليا للفتوى والتشريع، وأخيراً الهيئة المقترحة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي اقترحها عدد من السادة النواب في المجلس.
ومن المفترض أن تُناط بهذه الهيئات العامة مهام الإشراف والتنسيق بين أعمال عدد من الجهات التنفيذية والوزارات، إلا أن دورها يتعدى ذلك في كثير من الأحيان – بحسب المشروعات المقرة أو المقترحة – إلى الدخول في بعض المهام التنفيذية الخاصة بالأجهزة الإدارية.
ولا شك أن الصورة الإدارية الحالية في القطاع الحكومي، والمتمثلة في الوزارات والأجهزة التنفيذية الأخرى التي تترأسها سلطات سياسية وإدارية مباشرة كالسادة الوزراء والوكلاء، إلى جانب الأجهزة العليا كالمجالس والهيئات التي تمثل سلطات إدارية غير مباشرة، قد أفرزت نسيجاً إدارياً معقداً ومتشابكاً، قلّما نجد له مثيلاً في الإدارات الحكومية بالدول المتقدمة، أو حتى في الدول النامية التي تمر بظروف مماثلة لوضعنا الحالي.
بل إننا لا نبالغ إن قلنا أن هذا التعدد في الأجهزة والمجالس والهيئات يعكس بالضرورة مخالفة صريحة وواضحة لأبسط قواعد الإدارة العلمية والتي تقضي ضرورة الربط بين جهات التخطيط والتنفيذ والمتابعة وتحديد المسؤوليات عن أداء العمل، كما أنها تؤدي بالضرورة إلى مزيد من التشتت في المسؤولية وستخلق لا محالة فرصاً أكبر من التعقيد في الأعمال والتنازع في الاختصاصات والبطء في الإنجاز.
ولعلّ ما يلفت النظر هو ذلك الموقف السلبي لمجلس الخدمة المدنية الذي لم نسمع له رأياً أو حتى جهداً واضحاً في محاولة لتجديد الأدوار في هذه الشبكة المعقدة من المؤسسات التي أصبحت تمتد وتتعدد دون سيطرة. ولم يشذ عن ذلك أيضاً بيت الخبرة الحكومي وأعني به ديوان الموظفين الذي التزم الصمت ورضي بحصر نفسه وجهده كما يبدو في أنشطة التدريب والتي لن تؤدي إلى أي نتيجة محسوسة في نقل هيكل معقد كهيكل الإدارة الحكومية الحالي والذي تتنازعه جهات متعددة وأوضاع إدارية مغلوطة تتقاطع بها خطوط السلطة والمسؤولية ولا تتكامل.
ولا أدري صراحة على من تقع المسؤولية الآن وفي هذا الوقت العصيب لفحص هذا النسيج الإداري العجيب في دولة الكويت وذلك بقصد إصلاحه قبل إضافة أي أجهزة أخرى تضيف أعباء إدارية ومالية وربما اجتماعية قد لا يحتملها مجتمعنا الذي أصبح ينوء بحمل الأخطاء الإدارية المتكررة. ولعلّ الوقت قد حان للتدارس في هذا الوضع من قبل الجهات المعنية في الدولة سواء على مستوى الحكومة أو مجلس الأمة وفي ظل الاعتبارات الموضوعية والعلمية بالدرجة الأولى وأخذها كأساس هام لتثبيت المطلوب والضروري فقط من هذه الأجهزة واستبعاد الأجهزة القائمة أو المقترحة لاعتبارات سياسية أو مصلحية أو فئوية وذلك حتى لا تندفع في تثبيت أي كيان جديد قد نتحمس له حالياً ولكننا قد لا ندرك عبء إنشائه إلا بعد فوات الأوان.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى