ليلة القبض على الفزاعة

ليلة القبض على “الفزاعة”
وأخيراً سقط الرمز “الفزاعة”، الذي شوه معالم العمل والنهج السياسي في المنطقة العربية عبر ربع قرن من الزمان!
سقط صدام حسين ذليلاً، كث الشعر، مختبئاً في حفرة قذرة، وممسوخ الهيئة والشكل!
وإذا كان التاسع من أبريل قد شكل مرحلة جديدة في تاريخ العراق باستسلام جيش صدام حسين، فإن الرابع عشر من ديسمبر يشكل مرحلة مهمة من تاريخ العرب، يعاد فيها رسم معالم القائد والزعيم السياسي، وتوضع معها شروط لائقة لمتطلبات الشخصية القيادية سياسياً كانت أم في أي مجال آخر.
القبض على صدام حسين يجب ألا يكون شأناً عراقياً ولا كويتياً وحسب، وإنما هو شأن عربي يحمل عبرة ومغزى نتمنى ألا تبقى آثاره على السطح دون أن تغوص في قاع الذاكرة والوعي العربي!
إن صدام حسين صناعة عربية مئة في المئة، صنعتها الشعوب العربية التي امتهنت تمجيد الطغاة، وتأليه الرموز بصورة موهت الحقيقة وأخفت ما تحويه تلك الشخوص من قبح وشذوذ! صنعتها الشعوب التي كانت تخرج حاملة صور صدام حسين بينما كان يمارس حربه العبثية في إيران، ويبيد الأكراد، ويحتل الكويت، ويزرع أرض العراق قبوراً ومعتقلات ورعباً!
صنعتها الأنظمة السياسية العربية بتجاهلها لشروط التعايش السلمي والحقوق البشرية ومبادئ الديمقراطية، وذلك بتأييدها للكثير من مغامرات صدام حسين العبثية!
وأيضاً صنعتها أجهزة الإعلام العربية المزيفة للحقائق، والمغررة بعقول الشعوب العربية! وصنعها رموز الإعلام الزائف الذين شكلت لهم “الفزاعة” الصدامية مصدر دخل يدر ذهباً وفضة لقاء أحاديث صحفية أو مقالات أو لقاءات تلفزيونية يهذبون خلالها من هيئة وشكل فزاعتهم الثرية!
صدام حسين صنعته ثقافة الخوف والرعب السائدة في عالمنا العربي، والتي حولت الرأي والفكر العربي إلى ثقافة سراديب مظلمة يخشى الناس أن يبوحوا بها تحت نور الشمس وضيائها!
صناعة صدام حسين إذن مسئولية كل هؤلاء، وستكون قابلة للتكرار ما لم تشكل ليلة القبض على صدام مدخلاً يعيد رسم ثقافة العرب السياسية التي شوهها هؤلاء جميعاً قبل أن يشوهها صدام حسين علناً وجهراً! وقبل أن يرسخ بعنفه وإرهابه ودمويته الرمز الفزاعة الذي حول العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه إما إلى خائفين ومذعورين، أو إلى مستسلمين خانعين، أو إلى متعاونين مأجورين!
ليلة القبض على صدام أثبتت أن الرموز “الفزاعة” كصدام حسين، هي رموز واهنة وهشة سرعان ما يأكلها الحريق حين يلامس أطرافها! وسرعان ما ينخرها الدود إذا هي زلت أو تعثرت!
لقد كان صدام حسين أجبن من أن ينتحر أو ينهي حياته بيده، فالانتحار، على عكس ما يراه الكثير، يتطلب شجاعة لا يتقنها الجبناء! والذين توقعوا أن ينهي صدام حسين حياته بشجاعة فيبتلع قرصاً مخبأ في خاتمه، أو يطلق رصاصة في جوفه من مسدسه، هم ولا شك مخطئون ولا يدركون ثقافة الجبن المهيمنة على عقول فزاعات الحكم من أمثال صدام حسين أو غيره!
يتوقع المحللون السياسيون أن ينعكس القبض على صدام حسين على عمليات المقاومة في العراق، وأن تتراجع تلك العمليات بعد أن انقطع سبيل التمويل المادي والمعنوي!
نتمنى نحن أن يشمل وأن يمتد قحط التمويل المادي والمعنوي لأولئك المتسلقين على أكتاف الفزاعات العربية في كل مكان، وأن تمتد بنا ليالي القبض على الطواغيت لنحصد فيها رموزاً سياسية وإعلامية شوهت الواقع السياسي العربي، وتراجعت بالوعي العربي حتى لامس الحضيض في نهجه ومبادئه، وأن نقبر وإلى الأبد حقبة من التاريخ سادتها فزاعات هشة مثل صدام حسين!
