غير مصنف

ليش زمن أول أحلى؟

[جريدة القبس 20/5/2023]

منذ أن سمعت خالتي المُسنّة رحمها الله تستخدم كلمة “دي جي” بدلاً من كلمة “طقّاقين”، التي عادة ما تُستَخدَم في الخليج لوصف الفِرَق الترفيهية التي تُحيي الأعراس والحفلات، منذ أن سمعتها والأمور كلها تشير إلى التحوّل الكبير في الوعي الذي ضرب منطقة الخليج، وبالتحديد في العقدين الماضيين، والذي أصبح اليوم ماثلاً أمامنا وبصورة واضحة، مثل هذا التحوّل، وليس التغيير، لا يزال في منطقة الجدل بين مؤيدين ومعارضين ومحايدين، لكنه قطعاً تحوّل يتطلّب التوقّف عنده والتمعّن فيه وفي آثاره، وذلك بسبب طبيعة انعكاسه وتأثيره في مناحي الحياة بكل أركانها.
التحوّل الذي تشهده منطقة الخليج لم يأتِ قطعاً بفعل الأسباب والمحفّزات التي تواكب عادة حركة أي مجتمع، بقدر ما كان لأسباب اقتصادية بحتة عجّلت بقفزات المجتمعات الخليجية ودفعتها إلى حرق العديد من المراحل الطبيعية الاعتيادية في تحوّل أي مجتمع بشري، والمخيف في الأمر هنا أن هنالك من يُشرِف على مثل هذه الخطوات السريعة وبشكل أمّن له كما نرى مردوداً مجزياً.
لكي نستوعب ذلك علينا أن نسترجع طبيعة المجتمعات الخليجية قبل الثروة النفطية، والتي كانت مجتمعات منتجة تحتل قيم العمل فيها صدارة التقييم والمعايير الاجتماعية، وذلك قبل أن تتحوّل مع الثروة إلى آلة استهلاكية جشعة، وبشكل تضاعفت صورته وحدته في العقدين الماضيين، ربما بفعل تكنولوجيا التواصل، مما جعله ينعكس وبصورة مخيفة على الحياة الاجتماعية وعلى الثقافة والفكر والعلاقات وكل شيء، وكل ذلك بدعم من هذه التكنولوجيا التي برعت في ترسيخ قيم الاستهلاك كَقِيَم شبه مطلقة لا يجوز الانحراف عنها.
انتشر أخيراً مقطع فيديو يتحدث فيه أحدهم عن حقيقة مرة ومخيفة، قائلاً: “هم لا يريدون أبناءكم أن يصبحوا متعلمين، لا يريدونكم أن تفكروا كثيراً، لهذا أصبح عالمنا متشبّعاً جداً بالترفيه، ووسائل إعلام، مع برامج ألعاب، وبرامج تلفزيونية، حدائق تسلية، ومخدرات، وخمر، وكل نوع من أنواع التسلية لإبقاء العقل البشري مُسلّى، ولكي لا تعترض طريق الأشخاص المهمين من خلال جعلكم تفكرون كثيراً، عليك أن تستيقظ وتفهم أن هناك أشخاصاً يقودون حياتك وأنت لا تعرفهم ولا تدرك ذلك” انتهى.
لا ينكر أحد على الإطلاق أهمية الترفيه عن النفس، لكن عندما يتحوّل الجانب الترفيهي من وسيلة إلى غاية تكون في الأمر مشكلة تنعكس على الفرد ومحيطه ووعيه وأولوياته وتقييمه للحياة بشكل عام.
اليوم أصبح لدينا بين المطعم والمطعم مطعم، وبين المقهى والمقهى مقهى، وبين الحفلة الغنائية والأخرى حفلات، ازدحمت جداولنا بالمسكّنات الترفيهية حتى لم يعد هنالك مكان لأمور حياتية أخرى، وضاعف من صخب هذا الواقع تداخله مع عشرات التطبيقات التكنولوجية التي أصبحت هي الأخرى داعماً ومروّجاً لعالم غير صحيح على الإطلاق، فعبر الانستغرام والفيسبوك والسنابشات وغيرها يروّج العابرون فيها عن عوالم خيالية، ربطت دائماً مفاهيم كثيرة كالسعادة مثلاً بالمُقتنيات والمُلكية، بحيث أصبح معها الأكل في مطعم فاخر مصدراً موثوقاً للسعادة، وشراء سلعة ثمينة هو مرادف للإحساس بالسعادة، والسفر إلى مدن فخمة وفاخرة مؤشراً على أنك سعيد، الجميع على مواقع التواصل أصبح سعيداً لأنه متزوج ولديه أولاد وأولاده يذهبون إلى مدارس خاصة، ويمتلك سيارة فارهة، وبيتا بحديقة غنّاء و”شاليه” ويرتدي أفخر المجوهرات والساعات، ولا يأكل إلا في أفخم المطاعم والمقاهي، وبحيث تحوّلت مواقع التواصل إلى غابة من الترويج للاستهلاك والبذخ والمباهاة التي جعلت نصف أبنائنا يلجأون إلى استشارات نفسية وخبراء في فن الحياة لانتشالهم من رعب مقارنة حياتهم بالحياة الافتراضية الجميلة التي يبثّها متخصصون ومؤثّرون وناشطون عبر أدوات التواصل، ربما لأهداف ليست بعيدة عن تلك التي ذكرها صاحب الفيديو المشار إليه في هذه المقالة.
واضح أن هنالك دعماً متواصلاً من أياد وعقول قد لا تكون خفية لإغراق المنطقة بأسرها وتطويقها بكل أنواع الترفيه والتسلية بشكل جعل روّاد المنطقة يخلطون دوماً بين التنمية كمشروع مستدام والترفيه كحالة عابرة.
أما الذين يرون أن ما يحدث من إسراف في الاستهلاك والترفيه هو حق وضرورة، وأن جيل الزمن الجميل، كما يردّدون، قد استمتعوا بحقبة مشابهة، فنقول إن الزمن الجميل لم يكن زمن استهلاك واستنزاف للمشاعر عبر شبكات تواصل ومقارنة زائفة، وإنما كان حقبة تزاوجت فيها التنمية بكل أوجهها مع ترفيه هادف غير مسرف ولا موجّه، ولعل في ذلك إجابة لمن يتساءل دائماً “ليش زمن أول أحلى؟”.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى