الأرشيف

ليس كل نسيان يعني “ألزهايمر”

[جريدة القبس 15/4/2023]

جميعنا أصبح ينسى، أطفالاً كنّا أم شباباً أم شيوخاً، الجميع يشكو من تراجع في الذاكرة، البعض ألقى الّلوم على كورونا كفيروس أو كلقاح، والبعض الآخر يلوم سياسات الإغلاق، بينما هنالك من يرى أن للتلوث البيئي والحروب دوراً كبيراً في إتلاف خلايا الذاكرة، لكن كل هذه الاحتمالات تبقى في خانة التكهنات من دون أن تكون لها مرجعية علمية موثّقة.
النسيان أو أمراض الذاكرة متعددة ومختلفة في أسبابها ومؤشراتها، فهنالك فقدان الذاكرة التراجعي، والتقدمي، وفقدان الذاكرة العابر والانفصالي وغير ذلك من مصطلحات مُتّفق عليها علمياً وإكلينيكياً، أما الأسباب فمتعددة، منها ما يتعلّق بتلف مناطق في الدماغ، ومنها ما يعود إلى عوامل التقدّم في السن، كذلك تؤثّر بعض الصّدَمات النفسية أو الجلطات الدماغية في حيوية الذاكرة.
اليوم، أصبح غالبية الناس يختزلون كل هذه الأعراض والأسباب في مرض ألزهايمر، حتى باتت المُفردة تُستَخَدَم كمرادف لأي ضعف في الذاكرة أو أي نسيان، وذلك على الرغم من الاختلافات الطبية والعلمية بين الخَرَف والنسيان وبين مرض ألزهايمر.
في منتصف الثمانينيات كتبت الأميرة ياسمين آغا خان كتاباً تصف فيه تجربتها الشخصية مع مرض ألزهايمر، وذلك بعد إصابة والدتها نجمة هوليوود ريتا هيوارث بهذا المرض، وعلى الرغم من دراسة الأميرة ياسمين للفن، فإنها سخّرت جهودها آنذاك لنشر الوعي حول الأمراض التّنَكّسية التي تُصيب الذاكرة، فكانت تعقد المحاضرات والندوات التي تتناول كيفية انهيار اتصالات خلايا الدماغ واستسلامها، وأصبحت فيما بعد مُمَثّلةً للمؤسسات الصحية غير الحكومية الهادفة لتطوير المعرفة العامة حول الحالات العصبية الدماغية التي لا تؤثّر فقط في الأشخاص المصابين، ولكن أيضاً فيمن حولهم كذلك.
داء ألزهايمر وفقاً للتعريف الطبي هو اضطراب عصبي مُتَفاقم يؤدي إلى تَقلّص الدماغ وضموره وموت خلاياه، وبشكل يعمل على انخفاض مستمر في القدرة على التفكير وعلى المهارات السلوكية والاجتماعية بشكل عام، وحتى اليوم لا علاج للشفاء من “ألزهايمر” باستثناء بعض الأدوية التي تُحسّن من الأعراض أو تُبطئ تفاقمها.
هنالك ارتفاع ملحوظ في عدد الإصابات بـ “ألزهايمر” في منطقة الخليج، وبحيث أصبح هذا المرض مستوطناً غالبية البيوت، وعلى الرغم من أن المتخصصين والأطباء يرون أن ذلك ناتج عن ارتفاع معدّل العمر في العقود الثلاثة الماضية، وبالتالي زيادة عدد الإصابات بسبب التقدّم في السن، فإن هنالك في المقابل دراسات تُشير إلى صلة مُحتَمَلة بين تلوث الهواء وبين الإصابة بمرض ألزهايمر، حيث استدل فريق بحث على جزيئات ممغنطة صغيرة ناتجة عن تلوث الهواء مستقرة في أمخاخ أفراد مصابين بالمرض شاركوا في ذلك البحث.
تعرضت منطقة الخليج بالتحديد، عبر أكثر من أربعة عقود، إلى حروب مدمرة جرى فيها استخدام أسلحة حديثة وغريبة لا يعلم أحد بُعد تأثيرها البيئي ولا الصحي، وباستثناء الإحصاءات التي تُشير إلى التداعيات الصحية لتلك الحروب، فإننا لا نملك أي دراسات موثّقة حول أسباب تضاعف عدد المصابين بـ “ألزهايمر”، خاصة أن عددهم يقارب عشرة آلاف في دولة صغيرة، كالكويت مثلاً.
نحن جميعاً ننسى إذن، ولكن ليس كل نسيان يعني “ألزهايمر”، الذي هو أخطر بكثير من النسيان، فالأول تلف عضوي يصيب الذاكرة، أما الثاني فحالة أصبحت منتشرة أخيراً بشكل لافت، ولا نعلم حتى الآن أسبابها، لكننا أصبحنا نلحظها وبوضوح، سواء من خلال اختبار قدرات ذاكرتنا، أو في متابعة ذاكرة وقدرات من حولنا الذهنية.
لا حلول حتى الآن لهذه الظاهرة، وباستثناء المداومة على تنشيط الذاكرة بالأرقام أو باللغة، وهي حلول لم تَثبت فعاليتها، فلا مخرج آخر حتى اللحظة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى