ملفات ساخنة

ليس بسبب العراق، بل من أجله

ليس بسبب العراق، بل من أجله

تأتي زيارة الرئيس المصري مؤخراً لأرض الوطن واجتماعه بالمسئولين، كمحاولة جادة من الشقيقة مصر لإعادة الوفاق والصف العربي. الذي حطمه نظام الحكم في بغداد وقادته.
هنالك محاولة عربية جادة تتبناها مصر وسوريا والسعودية، لعقد قمة مصالحة عربية يحضرها العراق، وجولة الرئيس المصري تؤكد وجود اتصالات دبلوماسية مكثفة لإقناع الكويت بعدم مقاطعة هذه القمة العربية حتى وإن كان نظام بغداد ممثلاً فيها.
قد لا ينكر أحد أهمية إعادة الصف العربي، والتضامن العربي. غير أن محاولة كهذه تتطلب أولاً الوقوف على الأسباب التي أدت إلى انهيار التضامن العربي قبل البدء بأي مشروع تضامني عربي جديد.
لم تكن كارثة الغزو سبباً في انهيار ذلك التضامن، بل نستطيع القول وبحرية مطلقة: إن غزو النظام العراقي للوطن هو نتيجة مباشرة لعلاقات عربية متوترة وقلقة. ولعل القراءة الوحيدة الصحيحة التي أجراها حاكم بغداد، هي عن حقيقة ذلك الواقع العربي المتخلخل، والذي نفذ خلاله ليرتكب جريمته البشعة. وعلى الرغم من عامل البغتة والمفاجأة الذي داهمنا بسبب الموقف العربي من الغزو، إلا أنه لم يكن كذلك إطلاقاً في حسابات حاكم بغداد. بل لقد اعتمد اعتماداً مباشراً على ذلك التأييد العربي الرسمي للغزو والذي كان مبطناً أحياناً بدبلوماسية لم تخل من النفاق، مما جعلنا في هذا الوطن ضحايا لذلك التخاذل العربي، قبل أن نكون ضحايا لعنف ودكتاتورية النظام الحاكم في بغداد.
واليوم، يأتي العراق بأهله وبمستقبله ليكون الحياة الجديدة لذلك التكاسل العربي.
إن قبول العراق، في ظل ظروفه الراهنة وتحت إدارة نظام البعث الحاكم، يعتبر جريمة في حق الشعب العراقي وأهله. بل هي جريمة لا تقل في بشاعتها عن جريمة الأنظمة العربية التي ساندت مجرم بغداد في فعلته البشعة. يساندها في ذلك جولة من أشباه المثقفين في العالم العربي. ممن لم يكفوا عن الصراخ والعويل على العراق وأهله، وعلى مستقبله، والذي لم يشهد تهديداً ولا تآمراً كالذي يشهده الآن.
لقد فتحت كارثة الغزو طاقة أمل تبشر بانفراج قريب لأزمة العراق مع نظامه الحاكم وتضاعف ذلك الأمل مع نشوب حرب الخليج الثانية ليشكل طاقة أكبر. واستطاع الشعب العراقي أن يستغل تلك الفوضى التي اجتاحت مناطق الجنوب والشمال بفعل الحرب، ليعلن رفضه لنظامه الحاكم. واشتعلت ثورات المعذبين في العراق، في البصرة، والناصرية وأربيل، ومدن أخرى في شمالي العراق وجنوبيه، قبل أن تسحقها آلة العنف العراقية.
أما الموقف العربي يومها، فلقد كان وجلاً خائفاً أن يحقق العراق انفراجاً وخلاصاً، قد يفرض شروطاً سياسية يخشاها العالم العربي بوجه عام؛ فالعراق الدكتاتوري على الرغم من خروجه عن النص العربي المكتوب بغزوه للوطن يبقى أقل خطراً وحرجاً من وجهة النظر العربية، من أي نظام قد يخلفه، فالنظام العراقي في نهاية الأمر، هو بلا شك أكثر انسجاماً واتفاقاً مع الواقع السياسي العربي بوجه عام.
إن الأصوات الرسمية والشعبية، والتي طالما انطلقت متهمة الكويت بكونها سبباً في مأساة العراق وأزمته، قد صمتت وهي تتابع فصول الجريمة الحقيقية بحق العراق وشعبه، فالدعوة للعودة العراقية الآن وفي ظل ظروفه الراهنة تعتبر صفحاً وغفراناً لصدام حسين عن كل ما ارتكبه بحق شعبه، وأهله قبل أن يكون بحقنا في هذا الوطن.
المصالحة العربية وإعادة بناء الوفاق والتضامن العربي تتطلب أولاً وقبل كل شيء طرحاً ومراجعة لأسباب ذلك الانهيار حتى يكون البناء سليماً صلباً. ولعل أولى خطوات مشروع المصالحة هذا تتطلب غوصاً عميقاً في الأسباب التاريخية والسياسية لتلك الجفوة والنفور العربي، والذي سيبقى مهدداً للمنطقة العربية ولشعوبها، بصورة تنبئ بكوارث وحروب، قد لا تقل عن كارثة الغزو العراقي للوطن.
المصالحة العربية بشكلها المطروح حالياً هي مشروع خاسر ليس بسبب العراق وإنما من أجل العراق. والمطلوب بدلاً من ذلك مساهمات عربية جادة لاحتواء ومساعدة عناصر التغيير في العراق وأدواته. وحتى لا يأتي مشروع التضامن العربي على حساب الشرعية في العراق، وحق أهله في الخروج من مأزق الحزب ونفق العنف والدماء.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى