الأرشيف

ليس المخطئ.. بل الخطأ.. هدف الحكيم

[جريدة القبس 26/4/1994]

النقد وحده أصبح سيد الموقف.. والمسيطر أبداً على أغلب ما يكتب وما يقال في الوطن.. خاصة في أعقاب كارثة الاحتلال. وهيمنة النقد في مجتمع ما لا تعني خلو هذا المجتمع أو ذاك من إيجابيات تذكر، بقدر ما تعكس أسلوباً حكيماً في إشراك عدد أكبر من الأفراد في مناقشة قضايا الوطن المصيرية.. وممارسة مسؤولية المشاركة السياسية اللامباشرة من خلال النقد سواء كان كتابة أم قولاً أم حديثاً.
النقد والنقد الذاتي.. من الأمور التي تعتمد عليها المجتمعات الديمقراطية الحديثة.. في تصحيح وضع ما.. أو في تقييم أداء ما.. فالنقد هو القناة الرطبة التي تعلق بها كل ذرات الغبار المصاحبة للإصلاح والتغيير والتي قد تعرقل وتؤجل أي محاولة جادة للعبور نحو الأفضل.
مؤخراً.. تزايدت حدة النقد في هذا الوطن إثر قضية التعديل الوزاري وما حملته من تساؤلات لم يخل أغلبها من محاولات نقد صريح للأسلوب الذي تمَّ فيه التعديل الوزاري.
ومن بين حملات النقد تلك جاءت مساهمة النائب خالد العدوة.. وما أثارته من نقاش وجدل.. مما حمل النائب على التراجع في مقال اعتذر فيه عما أثاره من نقد.. غير أنه أثار في ذلك تساؤلات حول ماهية النقد في هذا الوطن.. ودوافعه.. وعمَّا إذا كان قد ساهم في دفع عجلة الإصلاح والتطوير.
الرغبة في الإصلاح هي ولا شك الدافع المنطقي وراء أي عملية نقد.. فالنقد أساساً هو وسيلة لتشخيص الأخطاء والسلبيات، ابتغاء معرفة الأسباب فيها.. وتحديد المسؤولية تجاهها، وليس عملية مستمرة لنقد الغير ومحاولة للدفاع عن الذات. فقد أكون أنا على خطأ وتكون أنت على صواب، والعكس بطبيعة الحال صحيح، وذلك ما تعنيه طبيعة البشر وقابليتنا جميعاً للوقوع في الخطأ.
أغلب محاولات الإصلاح من خلال النقد في هذا الوطن.. ضلت طريقها وأضاعت هدفها، من خلال دخولها في متاهة من “المخطئ” ومن “المصيب”.. وبحيث ابتعد أغلبها عن لبَّ القضية وجوهرها. ولنحاول بإخلاص جميعاً أن نعود بالذاكرة إلى ما أثير من قضايا منذ بدء الإعمار وإعادة الحياة لهذا الوطن، ولنر أين أصبحت وإلى أي حد ساهم أسلوبنا المتبع في انتقادها على إصلاحها!!
قضية الفساد في الاستثمارات الخارجية تقلصت من كونها سوء إدارة وتخطيط له الطابع العام، لتصبح قضية فرد تتنازعه حملات النقد مطالبة تطبيق العقوبة بشأنه!! قضية إصلاح المسار التعليمي والتربوي في هذا الوطن تراجعت مساهمة النقد بشأنها لتصبح مساجلات في من يحكم الوزارة “علماني” أم “إسلامي”.
ليس المقصود بما سبق إخلاء طرف بعض الأفراد ممن ساهموا مباشرة في السلبيات والأخطاء، وإنما هو تذكرة بوجوب شمولية النقد.. بحيث تأتي ملاحقة الخطأ وليس المخطئ وحسب.
في المجتمعات الناضجة يستعينون بالنقد في تقييم أمور كثيرة، حيث يأتي النقد كأحد أهم المدخلات في عمليات الإصلاح والتطوير بينما نحن في هذا الوطن نقرن النقد دائماً بالهجوم والعداء وبسوء النوايا.. وقد يكون في ذلك جانب كبير من الصحة، لكون النقد لدينا مسألة شخصية بحتة يلهث المتمرسون فيها من خلال محاولاتهم الدؤوبة لتبرئة ذاتهم ونقد الآخرين. فينتقد التيار الديني المسار التعليمي في هذا الوطن، لكون الوزير الحالي محسوباً على الخط الليبرالي، لا لأن التعليم أساساً بحاجة لإعادة نظر جذرية وتقييم شامل. وينتقد البدو قانون المديونيات لأن الوزير أصبح حضرياً، لا لأن المسار الاقتصادي لهذا الوطن يتهاوى ويترنح.. بعد أن كان رمزاً للثقة في أسواق المال والتجارة العالمية، ويصمت القوميون على نشاز دعاة الفكر القومي العربي الذي ساند غزو النظام العراقي للوطن، لأن الإسلاميين صمتوا عن إدانة التيارات الإسلامية التي ساندت الغزو وتجاهلوا الإرهاب باسم الدين، إلى أن أصبح الأمر أشبه بالمقايضة!!
نحن بكل تأكيد لا نتقن النقد، لأننا أولاً لسنا بجادين ولا بمخلصين في ما نطرح للنقد، ولكل منا دوافعه الشخصية في ما يعرض من نقد لقضايا الوطن، وتلك حقيقة وللأسف ظاهرة في ما نشهد من تراشق بكلمات وتهم لا تمس قضايا عامة. وثانياً لأننا جميعاً.. ممتلئون بتعاليم اجتماعية تأمر بالستر وتحض على التكتم.. ترفع دوماً شعار “ما كل ما يعرف يقال” وغالباً ما نتوهم أعداء هم المستفيدون مما نطرح على بساط النقد. وثالثاً وليس آخراً.. لأن همنا الأول فيما ننتقد هو حصار المخطئ وعقابه.. لا محاصرة الخطأ وبتره.. وهو ما يجعل السرقات والفضائح.. والتجاوزات كالجروح المفتوحة.. تندمل حيناً.. لتعود وتدمي.. وما لم تبتر.. فإن الألم باق!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى