لوحات الأذان والغترة والعقال

لوحات الأذان والغترة والعقال
أطال الله في عمر المعلّق الرياضي الشهير خالد الحربان، صاحب مقولة “الكرة مدوّرة” ومصطلح “الكرة مو راضية تدش” وتعبيرات أخرى كثيرة اشتُهرت عن خالد الحربان والتصقت بالذاكرة الكروية، حتى إن الناس والمعلّقين الكرويين لا يزالون يكرّرونها ويردّدونها.
احتضان الشقيقة قطر لكأس العالم كان مبعَث فخر وفرح على مستوى العالم العربي، خصوصاً في ظل مشاركة عربية واسعة، حتى إن البعض وفي أكثر من منتدى عربي أصبحوا يطرحون إمكانية أن تؤدّي كرة القدم وبطولاتها بالتحديد أدواراً تنموية وفرصاً للتقارب بين الشعوب والثقافات، وهو بالتحديد ما حدث في حالة مونديال قطر 2022، لأن العالم الكروي، بالفعل هذه المرّة، قد انتقل إلى بيئة ثقافية جديدة ومختلفة تماماً، ولعل في ذلك ما يُحسَب للشقيقة قطر هنا، التي استطاعت أن توظّف عادات وثقافات خليجية وتجعلها جزءاً من عَبَق هذا المهرجان الكروي الحافل، بالإضافة إلى النجاح الذي حقّقته الشقيقة قطر حين جعلت المونديال يرتدي الزي والثقافة الخليجيَين وليس العكس، فكانت خلفية المشهد، سواء في المباريات أو في الفعاليات الجانبية، عربية وخليجية بامتياز.
شخصياً، لا أفهم في قوانين الكرة، وبالتالي لا أستطيع تمييز اللعب الجيّد من غيره، باستثناء الأهداف التي لا تكون دائماً معياراً دقيقاً لتقييم جودة أي لعبة كرة.
لكن قد لا تخطئ عين المُتابع درجة العنف التي أصبحت مُصاحِبة لكرة القدم بالتحديد، التي قد لا نجدها في رياضة أخرى، بخلاف طبعاً المصارعة والملاكمة، اللتين تقومان أساساً على عنف الأداء، حتى إن العديد من السفارات أصبحت اليوم تخصّص أقساماً للتعامل مع مواطنيها من جماهير كرة القدم، وذلك أثناء المباريات الدولية.
ففي عام 1985 لقي 39 شخصاً حتفهم وأُصيب 600 شخص في كارثة ملعب هيسل في بروكسل، نتيجة لأعمال شغب قبل بداية مباراة نهائي كأس الأندية الأوروبية، وفي عام 1989 توفي 94 شخصاً وأُصيب 760 آخرون، إثر أعمال شغب بين مشجعين في بطولة كأس الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم، وغيرها من حوادث مشابهة لا تقل أضراراً حَدَثَت وتحدث في مباريات كرة القدم، سواء على المستوى المحلي أو الدولي.
التعصّب الكروي ظاهرة تناولها المختصون في علم النفس وتعاني منها غالباً الدول المُستَضيفة لمباريات كروية، بالإضافة إلى الأضرار التي تصيب الجماهير من ذوي الروح الرياضية العالية، فليس كل جماهير كرة القدم من المتعصّبين، إنما هنالك من الجماهير ممن يتأثّرون نفسياً في حالة فوز أو هزيمة فريقهم إلى درجة التسبّب في مشكلات قد تصل إلى التخريب والعدوانية.
بالإمكان القول، مع انتصاف مُدّة فعالية كأس العالم، إن قطر قد فازت وتمكّنت من تجاوز التداعيات المعهودة في مثل هذه الفعاليات الدولية، التي تلتقي فيها ثقافات وتوجّهات ومعتقدات مُركّبة في علاقاتها، لذلك من الإنصاف، اليوم، الإشادة بقدرة قطر على استيعاب مثل هذا التنوّع البشري بشكل لافت، وتستحق منا جميعاً الإشادة.
التنظيم الذي ساد مونديال كرة القدم شَهدَ له حتى المختلفون مع قطر ومع حقّها في استضافة هذا الحدَث العالمي، ولم تَشهَد أي من المباريات ما عهدته ساحات المجتمع الكروي من شحن وعنف وتصادم، ولم يُشكّل حجم الدولة الصغير جغرافياً عائقاً على الإطلاق في احتضان هذه الجُموع الغفيرة من الفِرَق والمشجعين.
لم يصطدم وجود المونديال في قطر مع تقاليد دول المنطقة، وهو ما كان يُراهن عليه بعض المتعصّبين بهدف الترويج لفكرة احتمال فشل فعالية بهذا الحجم والتنوّع مع مناخ منطقة الخليج المحافظ، بل على العكس من ذلك، فقد استطاعت قطر أن تُحافظ على موروثات الخليج الفكرية والعقائدية في كل ما تعلّق بالمونديال، بدءاً بحفل الافتتاح الذي جاء بحُلة خليجية مع بعض اللوحات العالمية الموسيقية والثقافية، وبشكل يخلو تماماً من الابتذال الذي عادة ما نراه في فعاليات مشابهة في مناطق أخرى.
وقد امتد مثل هذا النهج عبر الفعاليات والأنشطة الترفيهية على هامش هذا الحدَث العالمي، والتزم الجميع احتراماً للقوانين المُتَعلّقة بتعاطي المواد الكحولية بالنظام، هذا بالإضافة إلى التعامل بحكمة مع جدلية شعار المثليين، حيث دعم “الفيفا” قرار قطر بعدم السماح لتلك الشعارات في الملاعب وبين الجماهير، احتراماً لعادات وثقافة المجتمع.
لقد قدّمت لوحات الأذان والغترة والعقال وتقاليد الضيافة والعادات العربية الأصيلة صورة جديدة للمشاهد الغربي على وجه الخصوص، مؤكّدة أنه لا توجد صورة ثابتة وموحّدة للموروث الاجتماعي والقِيَمي والفكري، وأن بإمكان دولة خليجية عربية مسلمة وصغيرة أن تَستَقطب العالم وتُبهره من دون الحاجة لمحاكاة صورة الآخرين في الاحتفال وتقليدهم، فجاء الترفيه القطري بوشاح خليجي عربي أبهر الحضور، لذا حق القول هنا إن قطر قد فازت فعلاً بالمونديال.
