
سيدة إنكليزية قدمت للوطن في أعقاب الغزو الآثم.. وذلك للعمل في جامعة الكويت.. معلوماتها عن الكويت فيما قبل الكارثة.. معلومات جغرافية بحتة.. لم تلتق ولم تتحدث إلى إنسان كويتي من قبل.. فكل حصيلتها من المعلومات عن الإنسان الكويتي والخليجي بوجه عام استقتها من أجهزة الإعلام في وطنها.. وهي معلومات تركز وبشكل كبير على رفاهية الفرد الكويتي وعزوفه عن العمل، وهي حقائق، كما تقول تلك السيدة لم تجد صعوبة تذكر في التأكد منها.. فبعد مضي عام على التحاقها بالعمل في الكويت.. استطاعت خلاله أن تتبين حقيقة تلك المقولة بأن الفرد الكويتي لا يعمل.. فمن خلال تعاملها مع المواطن الكويتي في مجال عملها لمست وبشكل كبير تضاؤل عطاء الفرد في العمل وهي لا تميز هنا بين الفرد المواطن والفرد الوافد.. فهما يأتيان جميعاً على الدرجة نفسها من الضآلة في الأداء الوظيفي والعملي.. وإن كانت مسئولية ذلك التدني في الأداء تقع أولاً على الفرد المواطن.
إن ما يدعو للأسف حقاً أن في حديث تلك السيدة الكثير من الجوانب الحقيقية والتي تؤكد أننا قوم لا نعمل.. بل وكثيراً ما نحاول أن نلقي بتلك الظاهرة.. ظاهرة اللا عمل.. أو العمل المقل والمختصر.. على من نستقدمهم للعمل في هذا الوطن. فبجولة سريعة في أرجاء الوطن سنجد أننا غالباً ما نعين عشرة أفراد للقيام بعمل لا يتطلب القيام به بأكثر من فرد واحد أو اثنين فشوارعنا ومؤسساتنا ملأى بالعمال العاطلين. ووزاراتنا اكتظت بذوي الخبرات المحدودة الذين يشكلون عائقاً على الأداء لا تسهيلاً له.
ولكن من المسئول عن استمرار ظاهرة اللا عمل.. هل هي الإدارة الحكومية بسياساتها الوظيفية؟.. أم هو المناخ العام ونظرة المجتمع بصفة خاصة إلى العمل؟.. أم هو المواطن المتهم دوماً بسلبيته وعزوفه عن العمل؟
في الواقع لا نستطيع استثناء أي من تلك الأسباب لكونها معوقات أساسية في سبيل نظرة أكثر إيجابية للعمل.. وإن كان الجزء الأكبر من المسئولية يقع على الإدارة الحكومية.. والتي لها اليد العليا فيما آلت إليه قيم العمل والإنتاج. فنحن جميعاً نعمل لإرضاء حاجياتنا الأساسية.. منها أساسيات مادية كالملبس.. والمسكن.. ومنها ما هو معنوي كالإحساس بالأهمية والقدرة على العطاء.. ومن ثم الحق في الاستمرار كأفراد مساهمين في المجتمع. ذلك الإحساس بالأهمية والجدوى والذي يتضاعف كلما أحس المواطن بأن هنالك تقديراً لهذا الأداء أو ذلك العمل.. هنا تتداخل عوامل كثيرة في مهمة التقدير تلك.. قد يكون آخرها حسن الأداء. وإتقان العمل. فهي عملية تحكمها درجة القرابة إلى المتنفذين في الدولة.. ومكانة هؤلاء المتنفذين من الإدارة الحكومية ككل. ومع تزايد الفجوة بين العمل وعملية التقدير تلك.. ومع ازدياد التذمر من قبل المواطن بدأت الإدارة الحكومية في دفع مكافآت كبيرة للبعض.. وخاصة في أعقاب الغزو الآثم.. في محاولة منها لإصلاح الوضع.. ولتخفيف نبرة التذمر تلك. وقد اتخذت تلك المكافآت أشكالاً مختلفة.. فمن منح وهبات مالية.. إلى منح الشهادة الثانوية العامة لطلبة عام الدمج مقابل أربعة أشهر من التحصيل العلمي.. تلك المكافآت التي جاءت بلا مبرر.. لكونها غير مكتسبة في الحقيقة.. تضيف عائقاً آخر إلى نظرة المواطن للعمل والأداء.. وتجعله ينتظر المناسبات (الوطنية) التي قد تحقق له ما حققه من دون جهد أو عمل.
لم تعد عملية تقييم العمل في إدارات الدولة مرتبطة بكفاءة الأداء.. مما ولد إحساساً بالإحباط لدى المواطن الجاد في عمله.. والرامي إلى تطوير نفسه وأدائه.. هذا إلى جانب افتقادنا تماماً إلى قوانين تطبق العقوبة بحق المسيء في عمله. والمقل في أدائه.. مما خلق إحساساً عاماً وراسخاً لدى المواطن بعدم الثقة بقنوات التقييم أياً كان القائم عليها. وأصبحت بذلك أخلاقيات العمل مسألة رهن ضمير المواطن.. إن احتكم ضميره وأنجز عمله بإخلاص.. حقق انسجاماً مع نفسه ورضا.. وإن لم يعمل.. فالعلاوات والدرجات الوظيفية ماضية كما هي لا ينتقص منها إهماله لعمله شيئاً ولا يؤخر منها قلة ما يقوم به من جهد.
نحن كمجتمع أيضاً بحاجة إلى إعادة نظر جادة في مفهومنا للعمل.. فلم يعد للعمل قدسيته التي كان عليها قبل عصر النفط.. ولم تعد صفة البطالة أو اللاعمل صفة مذمومة.. بل بالعكس أصبحت تعني قدرة أكبر ونفوذاً أعلى.. بل وأنها أصبحت تعني أحياناً وجاهة أكثر. فالمواطن القادر على تحمل تبعات المعيشة دون أن يكلف نفسه مقابل ذلك جهداً أو عرقاً.. هو مواطن (محظوظ) بحسب مقاييس مجتمع النفط. يحظى بالاحترام والتقدير من قبل أفراد المجتمع بدلاً من الانتقاد والسخرية. وهو إن أحس حرجاً من بطالته تلك.. استطاع بنفوذه أن يتقلد مسمى وظيفياً لائقاً.. ولكن فارغاً من أي محتوى حقيقي للعمل المنتج.. ولا أتصور أن بعض الألقاب الرياضية.. ورئاسة النوادي واللجان أمر خاف على أحد!! ولا عن طبيعة الجهد الذي يقوم به أولئك الذين يتربعون على مثل هذه المهمات الشكلية.
لقد لعبت الصدفة وحدها دوراً في الثروة التي حبانا الله بها.. فأحالتنا من مجتمعات رعوية صحراوية.. إلى مدن حضارية واستمر عامل الصدفة في تأثيره على ظروف العمل وامتيازات الوظيفة في هذا الوطن.. فالموظف الكبير أصبح صدفة كبيراً لنشأته المصادفة في جماعة ذات نفوذ.. والوزير أصبح وزيراً للحظوة التي تتمايز بها عشيرته.. كل جاءت منزلته بقدر ماله من سلطة ومكانة اجتماعية. ولا نريد هنا أن نعتبر الشواذ عن هذه القاعدة مقياساً للفرص التي يوفرها المجتمع للعمل الجاد.
في ظل مقاييس كهذه.. تفتقد العلاقة المنطقية بين الجهد والعائد لأبسط شروطها. فلا يعود للدخل علاقة بما نؤديه من عمل.. لا بد أن يسود اليأس ويتراجع العمل الواعي العالي النوعية.. ليتقدم النفوذ والسلطة.
ويضيع المواطن هنا بين تقييم الإدارة الحكومية للأداء.. ونظرة المجتمع بوجه عام للعمل.. وتبرز صورة المواطن الكسول العاجز عن الأداء والعمل.. وهي صورة استطاعت ظروف الغزو أن تأتي بعكسها.. أن تثبت أنها ليست بالصفة الثابتة.. بل تحكمها ظروف العمل في هذا الوطن.. وهي ظروف ساهمت في خلق مواطن بمعنويات ضعيفة.. عاجز عن العمل والأداء في ظل إحباطات الوظيفة وقوانينها المجحفة.. وجعلته مستسلماً لتصنيف المجتمع لوراثة المناصب القيادية.. والألقاب الوظيفية.
