الأرشيف

لماذا يخرج الناس على القانون

[جريدة القبس 29/4/2008]

نحن جميعاً مع القانون من دون أي استثناء، فالقانون هو أول دعامات البناء في أي وطن أو مجتمع، والقانون هو الضامن الأول للحقوق، والرادع الأول للتجاوزات، لذلك، فقد استبشرنا خيراً بجدية الحكومة في تنفيذ قانون إزالة التعديات على أملاك الدولة، وتجريم الانتخابات الفرعية! استبشرنا بهما لأنهما شكلا معاً أول مؤشرات العودة لمفهوم الدولة بمؤسساتها وقوانينها، بعد أن تآكلت كدولة وكمجتمع بفعل عوامل الفوضى والتجاوز!
لكن، وعلى الرغم من حماس الحكومة، فإن هنالك الكثير ممن يشكك ويشك في طول نَفَس الحكومة، بل ويراهن أحياناً على أن مثل هذه الهيبة وهذا الانضباط في تنفيذ القوانين لن تكتب لهما الاستمرارية! ربما لأن المواطن لم يعتد على مثل هذه الجدية من قبل الحكومة، أو لربما أن المواطن رصد في السابق محاولات مشابهة لإعادة النظام والعمل بالقوانين لم يكتب لها الاستمرار لأسباب مختلفة!
على العموم، يبقى التحدي الماثل أمام الحكومة، ليس في تنفيذ القوانين وحسب، وإنما الاستمرار في ممارسة الدور والسلطة المنوطة بها!
قضيتان رئيسيتان تصدرتا مشروع إعادة الهيبة للحكومة، التعديات على أملاك الدولة، وملاحقة الانتخابات الفرعية ذات الطابع القبلي البحت ومنظميها! وكلتاهما قضيتان تعود جذورهما إلى أبعد من مجرد بناء واستغلال لأملاك الدولة، أو تطرف وانتماء قبلي وليس انتماء للوطن بكل أطيافه!
لكننا، وبكل أسف دائماً ما نتصدر للظواهر والإفرازات بدلاً من أن نغوص عميقاً في الأسباب! ومعالجة الظواهر بدلاً من الأسباب، هي بالتحديد التي تجعل المواطن مشككاً في جدية الحكومة هذه المرة! فالذين تطاولوا على أملاك الدولة وتجاوزوها، استندوا في ذلك إلى قنوات طويلة وممتدة عبر مؤسساتنا الحكومية، تبيح لهم التعدي، وتتجاهل كل مظاهره، بل وتصرح به أحياناً. وكما حدث في الترخيص الرسمي الذي استشهد به أحد النواب السابقين لتبرير الإبقاء على ديوانيته وحمايتها من فرق الإزالة!
لذلك، فقد احتل خبر إيقاف مراقب البلدية عن العمل وإحالته إلى التحقيق لاستغلاله سلطته في إصدار ترخيص مخالف، مساحة أكبر في مانشيتات الصحافة أكثر مما احتله خبر مقاومة إزالة الديوانية من قبل النائب السابق.
وبخلاف هذه الحالة، فإننا كمواطنين لم نسمع عن عقوبة مشابهة للذين أصدروا تراخيص التجاوزات في الكويت، أو للمكاتب التي صممت وأنشأت تلك المخالفات من دون المطالبة بإذن الترخيص مثلاً، وكما هي العادة في شروط البناء!
أما ما يتعلق بصحوة الحكومة للانتخابات الفرعية، فهي أيضاً صحوة قاصرة، لأن المشكلة هنا ليست الانتخابات الفرعية في حد ذاتها، وإنما هي في الأسباب التي دعت إلى وجودها، فالانتماء القبلي في الكويت لم يعد انتماء عاطفياً ومشاعرياً فقط، وإنما هو عملي بالدرجة الأولى. فالمعاملات الحكومية في الوزارات تعبر من بوابة الانتماء القبلي، والمواعيد في المستشفيات والوظائف، وفرص العلاج في الخارج، والترقيات، بل حتى الدرجات العلمية، كلها تعبر من البوابة نفسها! لذلك فمن المنطقي جداً لأبناء القبائل الالتزام بقوانين القبيلة من فرعيات وغيرها، فهي المدخل الأول لبوابة النجاح، خاصة في ظل فوضى القوانين والمحسوبيات واللاعدالة في التوظيف التي يعاني منها المواطن!
تطبيق القوانين إذاً توجه جيد ومطلوب، لكن معالجة الإفرازات وحدها التي تراكمت بفعل تجميد العمل بتلك القوانين، لن تكون فاعلة، ما لم نعد وبجدية إلى الأسباب التي جعلت الناس تخرج على القانون.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى