لماذا نخاف من الموت؟

لماذا نخاف من الموت؟
من يراقب الناس وهم يقفون في طوابير طويلة انتظاراً لتطعيم يقيهم دهاء الفيروس، ومن ينظر إلى الملايين الذين أصبحوا يتجولون ويمارسون حياتهم من خلف كمامات، متسللين بين الحين والآخر إلى جيوبهم لإخراج معقّم يسهم ولو قليلاً في كبح نشاط الفيروس، متباعدين قدر الإمكان بعد أن أصبح الآخر مصدر خطر وقابلاً لبث الفيروس في أجسادهم.
كل هذه المشاهد التي أصبحت من سمات حقبة الكورونا تقود إلى خلاصة واحدة وتحوم حول مدى لهث الإنسان الدائم للفرار من الموت رغم أنه هو الحقيقة الوحيدة الثابتة في هذه الحياة.
الخوف من الموت غريزة طبيعية يدفعها حب البقاء لدى المخلوقات كافة، لكنه كخوف يتفاوت في درجاته باختلاف أمزجة الناس وظروفهم وثقافتهم وأمور أخرى.
جميعنا إذاً نخاف من الموت ولكن بدرجات متباينة، فالمؤمن يخاف كما الملحد، والمتعلم لا يختلف في خوفه عن الجاهل، والحقيقة أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يخاف بشكل أكبر لأنه يُدرِك بعقله أن الموت نهاية حتمية وفناء قادم. لكن، وبالرغم من إدراك الإنسان لحتمية الموت، فإنه سعى عبر الحضارات البشرية إلى محاولة المزاوجة بين مسألة الفناء، واحتمالية الاستمرار في عالم آخر، وبجسد مختلف، لذلك اعتقدت أغلبية المجتمعات البشرية بفكرة التناسخ والخلود، وآمنت بأن الروح تُبعَث من جديد وأنها لا تفنى بموت الجسد بيولوجياً.
ومن الفلسفات الغريبة المتعلّقة بالموت وما بعده أن البابليين مثلاً لا يعتقدون أن الموتى يعيشون حياة أخرى، لكن في المقابل آمن السومريون والأكاديون بأن الحُكّام والملوك هم فقط مَن يعيشون حياة أخرى، ولذلك يتم دفن مرافقيهم وزوجاتهم وحرّاسهم وعدّتهم معهم، وذلك لتأمين استمرارية الجميع هنا في الحياة المقبلة ما بعد الموت، كذلك آمن الصينيون بأن الملوك هم من ينتقلون إلى الجنة، بينما يعود عامة الناس إلى أجساد أخرى.
وحدهم البوذيون الذين يؤمنون بالروح بشكل مُطلَق، لذلك فإن الجسد لا يعني شيئاً في البوذية، التي يسعى مريدوها إلى التجرّد من سجن الجسد وتحقيق فناء الذات والذي يسعون من خلاله للاتصال بعالم الحقيقة!
لا شك في أن الخوف من الموت يكون مرضياً حين يصبح مُعيقاً لتطور الحياة وسَيرِها بشكل طبيعي، فعلى الرغم من أن الخوف من الموت هو أمر فطري كما ذكرت، فإن هنالك من يموت في حياته بفعل هاجس الخوف من ذلك المجهول القادم حتماً، فالحياة كما نعيها هي وحدها التي تُجَسّد الحب والجمال والإبداع، وكل ما بعدها يحمل بشاعة وقبحاً وسواداً.
لا شك في أن فيروس كورونا قد تجاوز في اختراقه أجسادنا ليخترق عقولنا وقلوبنا، فأصاب الأغلبية برهاب وخوف، يصحُّ أن يوصَف برهاب الكورونا، فلا حديث اليوم بخلاف الحديث عن الكورونا، غابت الثقافة والأدب والمهرجانات والفنون والمسرح وكل ما من شأنه أن يُعزّز قِيَم الجمال والحب في النفس البشرية، وأصبح هدف أغلبية الناس هو في تحفيز العقل للبحث عن طرق مختلفة للنجاة من موت الكورونا.
خلاصة القول إن العالم خائف ومذعور في مواجهة الحقيقة الوحيدة، حقيقة الموت، وهو ما يُعتَبَر تناقضاً في حد ذاته.
عيشوا حياتكم إذاً قبل مماتكم، فالخوف أسوأ من الموت، فحين توافرت ل سقراطفرصة الهروب من زنزانته، لم يهرب وذلك خوفاً من أن يُكمِل حياته في حالة هرب، وبالتالي خوف ومن ثَم عَجْز عن التفكير، وهو ما عبّر عنه أحد فلاسفة الرومان حين قال إن الطبيعة كانت كريمة مع أولئك الذين أعمَتهم من التفكير بالموت والفناء، فعندما يستقيل الوعي عن الحياة يصبح الموت قوياً لدرجة أن حضوره يُدمّر كل سذاجة.
عيشوا يومكم إذاً، فهذا كل ما تملكون، وحين يأتي الموت، يكون القلق حينها خاوياً وبلا معنى.
