لماذا خاف البعض من شارع الهرم

لماذا خاف البعض من “شارع الهرم”؟
شهدت الحركة الفنية والمسرحية في الكويت تحولاً جذرياً في المرحلة التي أعقبت الغزو، وعلى الرغم من أن مثل هذا التحوّل العميق في أثره وصورته قد أصاب كل مناحي الحياة، فإن أصابع الاتهام والنقد كانت موجّهة دائماً إلى التحوّل الذي شهدته الحركة الفنية ومضمونها، في مقابل التجاهل أو التغاضي عن تحوّلات أخرى في المجتمع، لربما كانت أكثر أهمية من مجرد مشاهد عابرة وردت في مسلسل تلفزيوني أو عرض مسرحي.
مسألة التحوّل الاجتماعي والفكري والسياسي، خاصة بعد الحروب، هي مسألة لطالما خضعت لدراسات وبحوث مطوّلة، ليس في منطقة الخليج وحدها وإنما في العالم كله، فالأزمات والكوارث عسكرية كانت أم سياسية أم صحية غالباً ما تُخلّف بعدها ركاماً هائلاً من التغيير والتحوّل الهائل والعميق، والذي لا يمكن بأي حال من الأحوال التكيّف معه من منظورنا الخاص أو رؤيتنا المحلية لما يتعلق بالأمن الثقافي أو الاجتماعي.
شهدت المرحلة التي أعقَبَت حرب التحرير إذاً، وكما ورد أعلاه، تحوّلات عميقة في الدراما الكويتية والمسرح الكويتي، وبِصَرف النظر عن النقد الفني لمضمون تلك الدراما، فإنها جاءت لتعكس صورة من صور التحوّل الذي طال المجتمع في مرحلة ما بعد الغزو، منها بعض المسلسلات للسيدة فجر السعيد، التي طالها الهجوم بكونها تخترق الثقافة والقيم الكويتية الأصيلة وفقاً لادعاءات البعض آنذاك.
اليوم يُضاف إلى تداعيات الحرب والغزو تحدٍ جديد جاء في تطوّر وتحوّل هائل ورهيب في تقنيات التواصل الاجتماعي، وما يفرضه العالم السيبراني من ثقافة وقيَم خارقة للحدود الجغرافية والثقافية والفكرية. والذي يتصوّر بأنها ستكون مجرد موجة عابرة ستنقضي آثارها عن طريق التصدي لها إعلامياً واجتماعياً هو بلا شك واهم، أما الذي يرى بأننا كمجتمعات خليجية وعربية مستهدفون بما تبثّه بعض القنوات الإعلامية فهو بلا شك ساذج وقصير الرؤية، فنظرية العالم القرية لم تعد مجرد نظرية، بل واقع ملموس ومحسوس، فنحن جزء من نظام كوني تضع شروطه ثورة رقمية هائلة، وهي ثورة أفرزت حتماً تحديات اجتماعية وفكرية وسياسية وثقافية واقتصادية لن يتوقّف مسارها، وقطعاً ليس من الحكمة بمكان محاولة صد تداعيات مثل هذه الثورة، بل نحن بحاجة إلى استجابة رشيدة تؤمّن لنا التكيّف بأقل تكلفة.
اعتاد المشاهد العربي بشكل عام ومنذ بدء البث التلفزيوني بالتحديد على متابعة المسلسلات والأعمال الدرامية، التي يتضاعف حضورها في رمضان بشكل واضح، حتى غدَت جزءا من ملامح الشهر، وغالباً ما كانت هذه الدراما مواكبة في أحداثها وشكلها التحوّلات التي تعاصرها. في المجتمعات الخليجية يواجه البعض صعوبة في تقبّل مثل هذه التحوّلات بحجة الخصوصية، وبأن أغلبها مُخالف للقيم السائدة والأعراف والتقاليد الدينية، لذلك فقد هاجم البعض مسلسلات مثل “من شارع الهرم إلى..” وغيرها ولمسنا حجم الغضب الذي أثارته تلك المسلسلات خاصة في الكويت التي تحتضن أغلب المسلسلات الخليجية المُنتَجَة.
من الواضح أن هنالك خللا في أدوات النقد التي استخدمها جمهور المعارضين لتلك المسلسلات، حيث اقتصرت معايير الفضيلة والأخلاق من منظور هؤلاء على مظاهر خارجية كاللباس واللغة، وهي وإن كانت معايير تستدعي النقد لكنها حتماً ليست كل ما في الأخلاق من قيمة، فهنالك تراجع مخيف في قيم أخلاقية وسلوكية أهم بكثير من مجرد زيّ بحر أو علاقة بين فتاة وشاب أو راقصة تُحيي حفلاً. هنالك تدهور في المحتوى الفني والمسرحي، وهنالك فساد وتجاوز على المال العام تصدّرت القائمة فيه مؤسسات خيرية ذات طابع ديني سياسي وبشكل يتناقض مع دورها التوعوي، وهنالك اعتداء وتعدٍ سافر على حريات الرأي والكلمة والفكر، والتي هي من أهم أركان دستور الدولة. هنالك عبث سياسي يهدف إلى تقويض أركان الدولة وشل مؤسساتها تتبنّاه وترعاه مع الأسف جهات تدّعي أنها تتحرك لحماية هيبة الدولة والذود عن مصالح مواطنيها وشعبها ومراقبة سير الأخلاق فيها، هنالك تضليل وتزوير لوثائق ومحطات تاريخية مهمة من تاريخ الدولة، تزوير لشهادات ومقالات وبحوث، والتفاف سافر على أحداث تاريخية بهدف نسبِها إلى غير مستحقيها.
هذه كلها قيم أخلاقية، وثوابت وطنية، وسلوك أخلاقي يتم انتهاكه يومياً أمام سمع وبصر بعض المنظّرين في الأخلاق اليوم من الذين لا يرون في الأخلاق سوى مايوه بيكيني، أو راقصة، أو علاقة بين شاب وفتاة، أو مسلسل استباح وفقاً لرؤيتهم قيم المجتمع وعاداته.
الكويت دولة ديمقراطية يؤمن الناس فيها بحرية الرأي والكلمة، وإذا كان مناخ الحرية هذا قد أعطى لمنتقدي الأعمال الدرامية الحق في التعبير عن رؤيتهم، فإن للطرف الآخر كذلك الحق في أن يكشف عن حقيقة التحوّل في المجتمع من خلال أعمال درامية، كما للمشاهد الحق في المتابعة. ففي النهاية جميع الشوارع تؤدي إما إلى الهرم أو إلى غيره من المعالم. الشرط أن يبقى الخيار هنا مفتوحاً للجميع.
