الأرشيف

لماذا تأخر المسلمون؟

[جريدة القبس 15/1/2003]

في أحد كتب المرحلة المتوسطة يتحدث المؤلف وبإسهاب شديد عن أسباب تأخر المسلمين في العصور الحديثة، فيخلط بين الأسباب والنتائج بصورة واضحة، يفرد المؤلف تلك الأسباب بكونها:
أولاً: احتلال العدو الصهيوني لأرض فلسطين المسلمة، وانتهاك حرمة المسجد الأقصى، وتشريد الناس، وتدمير بيوتهم، وقتل الكثير منهم وتعذيبهم في السجون والمعتقلات، وكذلك احتلال بلاد إسلامية أخرى، كما حدث في أفغانستان، التي دمر أعداء الإسلام كثيراً من معالم الحياة فيها وشردوا الملايين من أبنائها وقتلوا منهم الكثير.
ثانياً: انتشار الفقر والجهل والمرض في كثير من بلاد العالم الإسلامي في أفريقيا وآسيا.
ثالثاً: اعتماد كثير من بلاد العالم الإسلامي على توفير حاجتها من المنتجات الزراعية والصناعية عن طريق الاستيراد من البلاد غير الإسلامية، مما يكلفهم مبالغ مالية كبيرة، وتكون عرضة لانقطاع هذه الواردات عندما تريد الدول المنتجة!
أما سبيل المسلمين إلى القوة والعزة والسيادة، فيلخصه المؤلف بأن علينا أن نرجع إلى ديننا الإسلامي، وأن نفهمه فهماً صحيحاً، وأن ندرك إدراكاً واعياً ونؤمن إيماناً صادقاً بأنه رسالة الله الكاملة الشاملة الصالحة لكل الأمم، ولكل العصور إلى ان تقوم الساعة!
ما تقدم كان فقرة من أحد المقررات الدراسية للمرحلة المتوسطة، وليس رأياً في صحيفة أو مقالاً في مجلة، لكنه وبكل أسف يخلو من أدنى شروط المنهج التعليمي والأكاديمي! فهو أولاً يقدم سرداً مبهماً وغامضاً لسؤال حائر يسعى المسلمون في كل مكان إلى الوقوف على إجابة وافية وحل شاف له! فسبب تأخر المسلمين عن ركب الحضارة والعزة والقوة والتقدم في مجالات الحياة المختلفة لا يعود للاحتلال الصهيوني، وإنما العكس تماماً! فاحتلال العدو الصهيوني لأرض فلسطين المسلمة كان نتيجة لتخلفنا وليس سبباً! كما أن اعتماد العالم الإسلامي على الاستيراد من البلاد غير الإسلامية يعود أساساً إلى تقاعسنا عن تطوير أنفسنا علمياً وتكنولوجياً وثقافياً!
لقد أصبح مثل هذا النموذج من المناهج التعليمية سائداً بصورة أدت إلى شلل واضح في قدرة شبابنا على الخروج بحلول أو اقتراحات عملية تحاكي ظروف الواقع وتستفيد منه!
ولقد لاحظت شخصياً باعتباري أعمل في المجال الأكاديمي عجز طلبتنا عن الحوار أو التفكير بصورة موضوعية وعملية! ففي أحد مقررات الكتابة في الجامعة، يطلب من الطلبة استعراض مشكلة ما مع اقتراح الحلول الفاعلة! حيث يشترط تدريب الكتابة هنا أن تكون الحلول المطروحة عملية وموضوعية، وألا تكون مجرد نصائح مفتوحة وغير محددة! وقد أذهلني عجز الطلبة التام عن استيعاب شرط “العملية والموضوعية” في حلولهم المطروحة للمشاكل المقدمة! حيث كانت أغلب كتابات الطلبة تقدم سرداً مطولاً ومسهباً لا يخرج منه القارئ برؤية واضحة ومحددة لسبيل معالجة المشكلة المطروحة! ولا عجب في ذلك فهؤلاء الطلبة ما هم سوى نتاج لثقافة ومناهج التلقين والحشو التي أصبحت سائدة وبصورة مخيفة في مناهجنا التعليمية بشكل عام، والتي أصبحت تخرج كتبة وعقولاً جامدة غير قادرة على الحركة باتجاه تيار العلم والمعرفة والثقافة، الذي أصبح جامحاً وعنيفاً بصورة تتطلب معالجة فورية لذلك الخلل المخيف في مناهجنا التعليمية!
لقد قيل الكثير وكتب الكثير في قضية خلل المناهج التعليمية، وبعد أن كانت قضية تربوية تعليمية، أصبحت الآن تشكل حرجاً سياسياً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لأسباب قد يقدرها المتصفح لمناهج الدين والتربية الإسلامية، التي تفتقد وبكل أسف لروح الإسلام المتسامحة ونبذه التطرف والعنصرية في الدعوة والموعظة! وآن الاوان الآن لأن تخرج مناهجنا التعليمية من حلقة المزايدات السياسية، وتبدأ في بناء جيل قادر على التفكير والتحليل المنطقي والموضوعي، وليس جيلاً ثرثاراً مردداً!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى