
لا يمكن لأي نظام.. أيا كان نوعه.. أن يقوم على اتفاق تام دائم وشامل على طول الطريق.. سواء كان هذا النظام نظاماً سياسياً أو اجتماعياً.. أو نظاماً أسرياً. كما لا يمكن أن يقوم نظام.. أيا كان نطاقه دون هدف مشترك تلتقي الأطراف حوله.. وتجتمع الجهود لتحقيقه.. ويبقى إذاً الأسلوب والسبيل إلى تحقيق الهدف.. والذي هو دائماً ما يكون محط جدل ونقاش بين الأفراد في أي نظام، ظاهرة الاختلاف في النظام السياسي تأخذ بعداً أكبر.. ويعود السبب بالطبع إلى أن النظام السياسي يشمل في إطاره جميع النظم الأخرى داخل المجتمع الواحد.
حين وقع عدوان النظام العراقي.. وبالرغم من كل الاختلافات في معالجة شؤون الوطن والظروف التي كانت قائمة وعالقة في سماءه آنذاك خاصة في أعقاب إنشاء المجلس الوطني وما نتج عنه من توتر.. إلا أن تلك الخلافات سرعان ما تلاشت وانصهرت جميعها في مواجهة الكارثة.. فتوارت الآراء المتعددة.. واتحدت الجهود في مواجهة الكارثة.. وتوحد الهدف لانتشال الوطن والخروج به معافى من المحنة التي ألمت به.. فقطعت الطريق بذلك على نهج الإرهاب والابتزاز.. وخرج الوطن من المحنة أكثر قوة ومنعة. لقد أعطى الوطن برمته الجواب الحازم والقاطع على نوايا النظام العراقي.. حين اتخذ قرار الصمود والعصيان المدني.. وحين تآزر في مؤتمر جدة.. وأوصد الجميع الباب في وجه الابتزاز.. بمن فيهم أولئك الذين يختلفون مع النظام السياسي القائم.. في أسلوب إدارة شؤون الوطن.
حين اجتمع الوطن.. كل الوطن في جدة.. وجلست الحكومة جنباً إلى جنب مع الشعب.. إدراكاً من الجميع بأن العدوان كان موجهاً للوطن.. كل الوطن.. بمسيرته الديمقراطية.. وبمكاسب شعبه.. ولقد رأينا ولمسنا أي مكانة حققنا لدى دول العالم كافة بتآزرنا.. وأي قدرات وطنية عالية أثبتنا ونحن نمارس الديمقراطية عندما كان الوطن محتلاً ونحن بالخارج.. لذلك فإن عطاءنا الآن المتحصل من هذه التجربة.. بالرغم من كل قسوتها.. يحتم علينا الإصرار على ترسيخ تلك الديمقراطية التي مارسناها في مؤتمر جدة.. والتي كانت تحدياً صارخاً لكل مظاهر الكبت والقمع الممارسة والمتمكنة من مناطق كثيرة من عالمنا العربي.
في مؤتمر جدة.. كان للشعب كلمته.. ممثلة بالكلمة التي ألقاها السيد الفاضل عبدالعزيز الصقر.. وكان فيها صوت لجميع أفراد الوطن.. تحدث بلسان الشعب.. في مقابل كلمة الحكومة.
كلمة الوطن.. في مؤتمر جدة.. هي جزء أساسي من ذلك المؤتمر.. لا نرى ولا نسمع لها الصدى بعد أن عاد الوطن.. وعاد معه الرأي الواحد ليسود كلمة الوطن.. في مؤتمر جدة.. إنجاز لمسيرة هذا البلد الديمقراطي.. وتأكيد على حضور المواطن الدائم في كل إنجاز للوطن.. كلمة الوطن.. في مؤتمر جدة.. جاءت لتؤكد جوهر وحقيقة المعارضة والاختلاف في الرأي والتصور.. جاءت لتثبت.. أن المعارضة والاختلاف مع النظام السياسي القائم لا تعني اختلافاً على ما هو صالح للوطن بالفعل، كلمة الوطن.. التي كانت حاضرة إبان الاحتلال البغيض.. لماذا تضاءلت وخفتت والوطن ينعم بالحرية.. صوت المواطن الذي عبر بحرية عن قراره في حفظ الوطن.. لماذا صمت؟ ولماذا لم يعد له ثقله في زمن الحرية كما كان له ثقله في زمن المحنة؟
وإذا كان الوطن قد تكاتف في مؤتمر جدة.. فالوجه الآخر للتكاتف جاء متمثلاً في صمت المعارضة عن تحقيق أي مكاسب فوق أشلاء الوطن.. بل والأكثر من ذلك أن منهم من آثَرَ ظلم وقسوة الأسر عن رفع شارة النصر والوطن يحتضر.. أو على الرضوخ لتهديد ووعيد النظام المحتل. لذلك فإن الذين كالوا التهم والألقاب للمعارضة الكويتية في فترة احتلال الوطن.. تناسوا أن دور المعارضة كان حاضراً في كل أوقات الأزمة.. أثبت حضوره حين رفع أفراد المعارضة صور رمز البلاد في كل أرجاء الأرض.. أثبت حضوره حين رفض أن يتبنى قراراً إلا بعودة الوطن.. أثبت حضوره حين أسقط كل الخلافات بهدف توحيد الجهود ليرجع الوطن.
لقد أثبت وأكد كل من اختلف مع النظام السياسي القائم.. أن الاختلاف في التصور.. والمعارضة للوضع القائم.. لا يعنيان إلا المزيد من التشبث بما هو صالح للوطن.. وأن الآراء مهما تعارضت وتشعبت فإنها ترنو إلى هدف واحد.. ألا وهو حفظ الوطن.. والذي ليس قصراً على أحد دون الآخر.. ولننظر إلى العالم من حولنا.. وأعني العالم الذي يستمد استقراره وتماسكه بجهود كل أطرافه.. نشهد دائماً الجدل والخلافات والملابسات العنيفة التي تجري في برلماناته وحكوماته.. يسقط من يسقط.. ويبقى من يبقى.. والكل من أجل وطنه.. ثم لنحاول الالتفات إلى حال دولنا.. والتي ينعم أغلبها باستقرار زائف.. وأمن مهدد.. وأمان هش.. لأن أي رأي معارض أو فكر مخالف.. قد يزاحم الشرعية في مهامها.. وينافس المسؤول في منصبه.
إن المعارضة.. لا تعني الصدام.. ولكنها يمكن أن تتحول إلى صدام إذا ما أجهض دورها.. وأغفل تأثيرها.. ولنا في التاريخ بوجه عام.. وتاريخ هذا الوطن بوجه خاص ما يمكننا الاستشهاد به.. فقد شهد تاريخ هذا الوطن على حداثته حالات تصادم عديدة كانت نتيجة لتناقض وتباين الرأي.. وما أعقبه من كبت الرأي دون الآخر.. ويمكن إعادة السبب الرئيسي لتلك الصدامات إلى تمسك السلطة بنظرتها للمشاركة الشعبية بأن تبقى مشاركة شكلية فقط.. تحفظ للسلطة نفوذها وامتيازها.. بينما كان الإصرار على الجانب الآخر.. إصراراً على ترجمة الرأي المعارض إلى رأي فعال ينقح ويعطي الجانب الآخر من الصورة.. ويعكس الجانب الآخر من المجتمع.. والذي لن يكون أقل فعالية وتأثيراً عن سواه.
إن المعارضة والاختلاف أساس لأي نظام سياسي.. حيث إن القول بعدم وجودها في مجتمع ما.. يعني أننا نتحدث عن جمهورية أفلاطون الفاضلة.. وحيث إن التاريخ لم يثبت بعد وجود مجتمع كمجتمع أفلاطون وجمهوريته.. فإن المعارضة السياسية تبقى هي السبيل لتنقية القرارات الرسمية من الشوائب والأخطاء.. والتي قد يكون الجانب الآخر قد أغفلها.. يبقى إذاً أمر اختلافنا أو اتفاقنا مع المعارضة.. وهو أمر رهن بمدى إيماننا بطرحهم.. ومدى قدرته كقوة سياسية على إيضاح ما يصعب علينا فهمه.
إن المعارضة السياسية ليست شغباً.. ولا فوضى.. إنها جهد مبذول.. ورأي آخر.. يرى وجهاً آخر للحقيقة ليس إلا.
