
في أعقاب حرب الخليج الثانية، قامت الدنيا في الغرب ولم تهدأ بعد، بسبب انتشار مرض غامض أطلق عليه “أعراض حرب الخليج” لكونه أصاب الجنود الأمريكيين والإنكليز الذين شاركوا في الحرب. وتفاوتت أعراض المرض بين وهن وإعياء، وبين آلام عضلية مبرحة. وصداع وفقدان ذاكرة، بالإضافة إلى تشوهات جنينية وحالات إجهاض أصابت زوجات هؤلاء الجنود.
الأبحاث لا تزال جارية لرصد تلك الحالات وحصرها، وللوقوف على أسبابها بدقة، وعلى الرغم من التحفظ الشديد الذي تبديه الإدارة الأمريكية والإنكليزية على نتائج تلك الأبحاث الطبية. إلا أن ذلك لم يمنع من تسرب بعض التفسيرات العلمية والطبية لذلك المرض، ولعلَّ أشهرها تفسير جرى التكتم عليه بشدة عن الحقن الطبية التي تلقاها الجنود لحمايتهم من الأسلحة الكيميائية والتي يعتقد بأنها كانت سبباً مباشراً لمرضى حرب الخليج، وما صاحبه من أعراض مختلفة.
لا شك أن مرض الخليج، وأياً كانت نتائج الأبحاث بشأنه يأتي كنتيجة طبيعية لطبيعة السلاح الحديث، وتكنولوجيا الحرب الجديدة. والتي تحوي نسباً متفاوتة من اليورانيوم والإشعاع.
والمتابع لتفاصيل مرض الخليج وأبحاثه لا شك يتساءل عن أبعاد وآثار أخرى لتلك الأسلحة، خاصة إذا ما كان ذلك هو حال الجنود الذين شاركوا في المعارك، فما هو يا ترى حال الأراضي التي شهدت تلك المعارك وما حجم الآثار التي تعرض لها قاطنو المنطقة وأهلها؟ وهو تساؤل سيبقى خاضعاً لتصورات فردية، وحدس شخصي، لأسباب تتعلق مباشرة بتجاهل الجهات المختصة عن إجابته وبصورة عزلت قضية الآثار البيئية الناجمة عن الحرب، عن المعامل العلمية، والأبحاث والقياسات العملية.
لا ينكر أحد أن هنالك تنامياً ملحوظاً للوعي البيئي في هذا الوطن، وذلك في أعقاب غزو النظام العراقي، وما تبعه من حرب ودمار.
وهنالك أيضاً جهات حكومية وشعبية تعنى بالبيئة وتنوه بمصادر الخطر والتلوث ففي بلدية الكويت هنالك إدارة شؤون البيئة. كما أن هنالك إدارة لحماية البيئة في وزارة الصحة. بالإضافة إلى الهيئة العامة لشؤون البيئة، ومجلس حماية البيئة وجمعية أصدقاء البيئة. وكلها هيئات تؤكد نضج الوعي البيئي في هذا الوطن.
كم كان بودنا لو أن إحدى هذه الهيئات تبنت أبحاثاً مكثفة، لرصد أثار الحرب وما أعقبها على الصحة النفسية والبدنية للمواطن وكم كان بودنا لو أن حماة البيئة هؤلاء قد حملوا على عاتقهم مهمة التصدي لاستمرار ذلك التلوث البيئي الذي تضاعف منه وتؤججه مناورات الذخيرة الحية، التي تكاد لا تتوقف أبداً ومنذ حرب الخليج.
نحن لا نحتاج لمضاعفة عدد الجهات المهتمة بالبيئة، والمتخصصة في الحفاظ عليها. وإن كنا بحاجة لبرامج صادقة وجادة في محاربة مصادر التلوث البيئي، والتي من ضمنها ولا شك مناورات الذخيرة الحية.
لا يجب أن تقف معاهدات الحماية والتعاون عائقاً في سبيل الحفاظ على البيئة، والصحة. فذلك حق بشري أصبح من ضمن الحقوق الأساسية للإنسان، ومن أوليات النظام العالمي الجديد. ومن هنا فإننا لا نكون قد خرجنا عن ذلك النظام ولا عن تلك الحقوق الإنسانية، حين نطالب بوقف مناورات الذخيرة الحية، والتي تحمل تهديداً مستمراً للبيئة ولصحة المواطن.
لا شك أن الفرق الوحيد بين التهديد الذي يشكله مرض الخليج الغامض وبين التهديد البيئي الذي يحاصرنا بفعل الاستخدام المستمر للسلاح أثناء المناورات الحية. هو في أن مرض الخليج وأعراضه يخضع لدراسات وأبحاث مكثفة للوقوف على أسبابه حتى تتمكن الجهات المختصة من محاصرتها ومن ثم تفاديها. بينما نحن لا نزال نتجاهل أسباب ذلك التدهور الصحي والنفسي للمواطن والذي نشهده الآن، وما يصاحبه من أمراض هي عادة ما تكون علاقتها مباشرة بالتلوث البيئي بفعل آلة الحرب والسلاح كالأورام السرطانية، وأمراض الجلد، والحساسية، والتشوهات الجنينية.
أمام حماة البيئة في هذا الوطن، واجب وطني يكمن في تنظيم حملات تطالب بوضع حد لمناورات الذخيرة، حفاظاً على البيئة ورحمة بالمواطن. وأمامهم كذلك مسؤولية بث الوعي بمخاطر السموم التي تسببها الأسلحة الحديثة. وأمامنا جميعاً مهمة رفع شعار “لا لمناورات الذخيرة الحية”، ومهما كانت المبررات والحجج التي يرددها البعض!!
