لا قول فصلاً بشأن الكتابة التاريخية

لا قول فصلاً بشأن الكتابة التاريخية
التأريخ عند المؤرخ وثائق وعند الروائي مسار بإيقاع موسيقي
علاقة الأدب.. بالتاريخ علاقة وثيقة.. وإن كان البعض يرى أن الطرح الروائي والقصصي لحوادث ووقائع تاريخية.. لا يخلو من الرؤية والتحليل الذاتي المتمثلة في وجهة نظر الكاتب الشخصية.. وأدبنا العربي مليء بالروايات والقصص التي توجز مراحل تاريخية من تاريخ المنطقة السياسي.. والاجتماعي، ولعل أكثر الأمثلة حضوراً هنا.. هي ثلاثية الكاتب الكبير “نجيب محفوظ” والتي صدرت في ثلاثة أجزاء يطرح الكاتب في كل جزء منها مرحلة من مراحل تاريخ مصر السياسي.. إضافة إلى صياغة صورة حية للواقع الاجتماعي في كل من تلك المراحل.
مجلة “ديالوج” في عددها الأخير من هذا العام.. تطرح تساؤلاتها من خلال رأي أكاديميين وأساتذة في الأدب.. حول الجدلية القائمة دوماً عن حقيقة العلاقة بين الأدب والتاريخ. حيث تطرح المجلة أكثر الآراء تمسكاً بالدور الأدبي الرائد في صياغة الأحداث التاريخية.. وهو رأي البرفسور “دانييل آيرون” “Daniel Aaron”.. أستاذ الأدب الإنكليزي في جامعة “هارفارد”.. وحيث يدافع البروفسور “دانييل” ويؤكد مساهمة أدب الرواية خاصة في حفظ الأحداث التاريخية.. إضافة إلى قدرة الكاتب الشفافة للتكهن بأفضل المسارات المستقبلية.. استناداً إلى الواقع المطروح.. ومن خلال دفاعه.. يستعرض “دانييل” آراء لبعض البارزين في الأدب الأمريكي.. مؤكداً أن “ما يخلفونه.. يعتبر تاريخاً.. ولكن بإيقاع موسيقي”.
إنه حقيقة تاريخية
لقد كان الخلاف دوماً.. بين الحقيقة التاريخية التي يوردها المؤرخ.. وتلك التي ذكرها الأديب.. أن الصياغة الأدبية للتاريخ ليست بنفس دقة صياغة المؤرخ، إلا أن ما أثاره الكاتب الإنكليزي “توماس كارليل” “Thomas Carlyle” منذ ما يزيد عن قرن من الزمان.. هو خلاف ذلك.. فبحسب ما يراه “توماس” أن المشكلة تكمن في أن الحقائق التاريخية.. هي غالباً ما تخرج بصورة أفضل عن حقيقتها.. وبأن التاريخ يهذب من شكل الحقائق.. أكثر مما يفعل الأدب.. وتلك بالتأكيد مسألة يحاول الكثير من المؤرخين تجاهلها.. على الرغم مما تؤكده كلمات رائدهم “كارل بيكر” “Carl Beeker” والتي تشير إلى أن التاريخ سيبقى دوماً صورة منقوصة للحقيقة والواقع.. على الرغم من أن ذلك لم يفقد التاريخ قيمته أو أهميته.
ويدافع المؤرخون عن ذلك.. بقولهم أن التاريخ.. حتى وإن جاء منقوصاً في بعض التفاصيل. إلا أنه يبقى أكثر استناداً للحقائق.. لكونه يعتمد على ما حدث فعلاً. لا على ما قيل وأشيع خاصة بعد أن تم عزل وإلغاء الروايات والأساطير القديمة من التاريخ.. لكونها لا تستند إلى حقائق ثابتة وموثقة. وأن التطور والتقدم التكنولوجي.. ألغى كثيراً من الأسماء التي كانت تعتبر مراجع للأحداث التاريخية.. وبحيث أصبح مؤرخون من مثل “هنري أدمز” و”جورج بانكروفت“.. خارج المقاييس للتاريخ والتوثيق التاريخي..
ويرى “دانييل آيرون”.. كاتب المقال.. أن موت مدرسة التاريخ القديمة.. واستبدالها بما يسمى بالتوثيق العلمي للتاريخ.. قد خلق فراغاً.. ولا شك.. سرعان ما شغره كتاب المذكرات الشخصية.. ورواة التاريخ القصصي.
علاقة… تتلاشى
ويؤكد “دانييل” في مقاله.. أن الأدب القصصي لا يمكن أن يحل محل التاريخ والتوثيق بكل تأكيد.. أو أن يكون بديلاً عنه.. ولكنه يرى كذلك أن الروايات التاريخية لا شك وأنها تثري الخيال. تجاه التاريخ وأحداثه..
لذلك ومن هذا المنطلق فقط.. استمر التعاون والانسجام باقياً بين حقلي التاريخ والرواية والأدب.
إلا أن الأمور الآن آخذة في التحول.. وتلك العلاقة قد أشرفت على أن تتلاشى حيث يرى “دانييل” أن بعض الرواة والكتاب من الأدباء.. قد بدأوا في تجاوز خطوط الاتفاق.. بين الرواية والتوثيق التاريخي.. من خلال إصرارهم على وجوب انصهار الاثنين معاً.. بل أن بعض الروائيين أصبحوا يرون في الكتابات الأدبية صدقاً وحقيقة أكثر للتاريخ عما هو موثق فعلياً في سجلات التوثيق التاريخي.
وعلى الرغم من أن المؤرخين مشغولون ومنهمكون في عملهم أكثر من انشغالهم بالرد على مثل هذه الاتهامات إلا أن “دانييل” يسرد حادثتين تأتيان كدليل وكشاهد مؤكد لتفاقم الاختلاف بين الكتاب والروائيين من ناحية.. والموثقين للتاريخ من ناحية أخرى.
أما الحادثة الأولى.. فقد أثارها كتاب “جور فيدال” بعنوان “لنكولن” الصادر في عام 1984.. والذي هوجم من قبل المؤرخين.. بكونه تشويهاً لتاريخ أميركا الحديث.. ولأبرز رؤسائها أبراهام لنكولن.. حيث صوره فيدال بالشخص الجاهل في الاقتصاد.. المتجاهل للدستور.. وغيرها من الصفات التي يرى المؤرخون أن بالإمكان تجاهلها.. لو أن “فيدال” تحدث من منطلق روائي بشخصيات روائية بحتة.. إلا أن اعتماده على حوادث تاريخية.. وشخصيات من التاريخ الأمريكي. يعني أنه يقصد بالسرد القصصي أو الأدبي في كتابه صياغة مختلفة للتاريخ الأمريكي.. مخالفة لما وثقة المؤرخون.
وقد جاء رد “فيدال” على تلك الاتهامات.. بلغة لا تقل عنفاً وشراسة.. متهماً هؤلاء الموثقين للتاريخ بكونهم “جامعي حقائق” Fact Collectors ليس فقط بسبب أنهم لا يفقهون شيئاً من فن الرواية أو الأدب.. بل كذلك لكونهم أقل من متطلبات وظائفهم في التوثيق التاريخي.. وأن هجومهم على كتابه يعود بالدرجة الأولى لعجزهم عن فهم أبعاد شخصية رجل مثل “أبراهام لنكولن”..
ويواصل فيدال دفاعه فيصر على أن التاريخ الأمريكي لا يجب أن يكون في يد المؤرخين فقط خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار.. الرأي القائل بأنه ليس هناك ما يعتبر تاريخاً.. وحسب.. فتعبير كهذا.. هو دائماً غير واضح المعالم.. بدرجة كافية.. للاعتماد عليه كعلم. فهناك دائماً أحداث وأمور في سرد التاريخ وتوثيقه.. تكون بحاجة إلى مقدرة الأديب الإبداعية وخيال الروائي في سبيل تجميعها والربط بين أحداثها.. لذلك فإن “فيدال” يرى أنه في كتابه قد ذكر أحداثاً متفقاً عليها.. وأخرى لم يتفق عليها بعد.. وهو بذلك يتحدى أموراً يعتبرها الكثير مفروغاً منها.. مثل مسألة أن التاريخ تاريخ.. والرواية رواية.. وأن من المستحيل بمكان أن يلتقيا.
أما الحادثة.. أو الرواية الثانية.. فتأتي في كتاب صدر في العام 1988 للروائي “دون ديليللو” “Don Delillo” بعنوان “ليبرا” “Libra”.. وهي رواية عن حادثة اغتيال الرئيس الأمريكي “جون كنيدي”.. حيث يتعرض الكاتب فيها لتفاصيل دقيقة عن شخصية القاتل “لي هارفي أوزوالد” استقاها عن تفاصيل غير دقيقة عن طفولة القاتل التعيسة.. وتورطه السياسي.. إضافة إلى ظروف خدمته العسكرية.. وبحيث قام “ديليللو” وبكل حرية في اختراع أحداث ليست موثقة بالشكل المطلوب عن حياة “أوزوالد”.. فأعطى للحادث صفة المؤامرة.. وعلى الرغم من أنها محاولة شبيهة بمحاولة المخرج السينمائي “أوليفرستون”.. من خلال فيلمه الشهير “ج. ف. ك” J.F.K والذي صاغ من الحقائق ما أحرج المسؤولين في الدوائر السياسية الأمريكية.. بالرغم من ذلك إلا أن محاولة “ديليللو” جاءت متعمدة تجاهل التاريخ الأمريكي وأحداثه تماماً.. وكأنما هو يرحب بهجوم المؤرخين عليه، حتى أن الكاتب الصحفي “جورج ويل” وصف الكتاب بأنه تعبير عن “اللاوطنية.. وضرب من الجنوح والانحراف الأدبي”.. ووجه اتهاماً إلى “ديليللو” بانتهاك ما أسماه “أخلاق الأدب” ملمحاً بذلك أن الأدباء.. والرواة عليهم الالتزام بما هو موثق تاريخياً.. إذا ما أرادوا استخدام شخصيات حقيقية.. أو أحداث فعلية من التاريخ.
ولكن كيف يرى المتخصصون في توثيق التاريخ وأحداثه.. ذلك الصراع بين الأدب والتاريخ، لعلَّ أغلبهم يرى ويؤكد أن كلا المجالين قائم بذاته.. وأن ما يظهر كحقائق تاريخية.. في الروايات التاريخية.. لا بد وأن يكون موثقاً في مصادر أخرى.. فهم لا يجدون أي نوع من التوثيق للتاريخ.. فيما يصور من روايات أدبية.. بغض النظر عن جودة تلك الروايات أو ردائتها.. لذلك فهم لا يرون إمكانية اعتبار مثل هذه الروايات التاريخية كمصادر توثيق للأحداث التاريخية.
وللمؤرخين أسبابهم
يتساءل “دانييل” كاتب المقال هنا.. عن الأسباب التي تدفع بالمؤرخين إلى قراءة الروايات التاريخية.. إذا ما كان ذلك هو رأيهم فيها؟
بالنسبة للمؤرخ “هنري جيمس”.. فالسبب يرجع أساساً إلى أن المؤرخين أنفسهم يرغبون دائماً في مزيد من الأحداث التاريخية.. حتى وإن لم يكن في مقدرتهم استخدامها، ورواة القصة هم مصدر خصب لإثراء حصيلة المؤرخين وإثارة خيالاتهم والتي يبدو أنها تعبت من التعامل مع الحقائق وحسب.. إلا أن “جيمس” وكغيره من المؤرخين لا يعتبرالرواية التاريخية مصدراً موثوقاً للأحداث التاريخية.. خاصة أننا كلما ابتعدنا في الزمن أصبحت المهمة أكثر صعوبة.. وذلك بالتاكيد يرجح كفة الروايات أو القصائد التي كتبت في الفترة ذاتها من وقوع الأحداث ذاتها.. لتكن معضلة سياسية.. أو أزمة اقتصادية.. أو معركة.. أو إضراباً.. أو كارثة طبيعية. لذلك فمن الطبيعي أن يحظى الصحافي.. كاتب القصة القصيرة “أمبروز ببيرس” Ambrose Blerce بمصداقية أكثر.. لكونه كتب عن الحرب الأهلية الأمريكية بعد أن حارب فيها.. وشارك في أحداثها.. فجُرح.. وتم اعتقاله.. حتى هرب من المعتقل.
بينما.. لا يمكن اعتبار كتابات مؤلف مثل ستيفن كرين “Stephen Crane”، بكونها صادقة.. فهو لم ير معركة في حياته حين كتب كتابه عن الحرب الأهلية.
“دانييل” يثير في مقاله سؤالاً حول ما يجب عمله تجاه مثل هذا الاختلاف.. وهل بإمكان المؤرخين أن يكتبوا بصدق أكثر عن وقائع التاريخ.. لو أنهم كتبوا روايات تاريخية؟؟ أم هل هي حقيقة أن الأدب بطبيعته قادر على احتواء وإذابة الحقائق التاريخية بين طيات رواياته؟!
تسليط ضوء
مثل هذه الأسئلة تمت الإجابة عنها بأساليب مختلفة. إلا أن الحقيقة الوحيدة التي يجب الاعتراف بها.. وكما يراها “دانييل” في طرحه.. أن أغلب المحاولات لصياغة التاريخ أدبياً.. ولإعادة رموز عظيمة للحياة على صفحات رواية.. قد عجزت عن الاستمرار كمحاولات لتوثيق تلك الأحداث.. إلا أن “دانييل” يعود فيؤكد.. أنه وبالرغم من ذلك.. فقد استطاع بعض رموز الأدب والقصة.. أن يسلطوا المزيد من الضوء على الأحداث التاريخية.. بطريقة لا يلجأ إليها المؤرخون عادة.. فكل ما يكتب من رواية هو أساساً كتابة للتاريخ.. وكل المؤرخين.. وموثقي المذكرات.. يستعينون بأدوات وأساليب أدبية.. وجميع القصصين.. يضيفون رؤية وأبعاداً جديدة للأحداث التاريخية.. تؤدي ولا شك إلى التأثير على مسار الأحداث في التاريخ.
يواصل “دانييل” حديثه ماهية العلاقة بين الأدب والتاريخ.. فيقول.. إن الكاتب الجيد.. يكتب التاريخ الجيد الذي لا يريد المؤرخ أن يكتبه.. وعلى الرغم من أن الروايات التاريخية لا يمكن اعتبارها تاريخاً موثقاً.. إلا أن أفضل الروايات التاريخية.. هي ما يبقى منها ملخصاً للحقائق والأحداث التاريخية..
بالنسبة للمؤرخ “بيتر نوفيك” “Peter Novick”.. فإن محاولة بعض المؤرخين.. الاستعانة بأسلوب مشوق عند طرح الحقائق التاريخية.. تعتبر محاولة مشروعة لإضفاء نوع من التشويق والوصف.. الذي لم يكن مألوفاً من قبل في الكتب التي تسرد التاريخ لتوثيقه.. لذلك فإنه يجد عذراً كافياً للكاتب “روبرت جارو” في كتابه “الطريق إلى السلطة”.. والذي جسد فيه الكاتب شخصية الرئيس الأمريكي “لندون جونسون” وصوره كنصف بطل.. ونصف شيطان.
أمر مستحيل
لكن ماذا عن القارئ.. والمتابع للرواية التاريخية.. أنه لا بد وأن يكون حائراً بين حماية التاريخ الموثق، وبين إثارة الرواة والكتب الموثقة للأحداث التاريخية.. إلا أنه لا بد وأن يكون متشوقاً لمزيد من التفاصيل فيما يتعلق بالأحداث التاريخية التي لم يعاصرها.. وذلك أمر لا يوفره إلا الروايات التاريخية.. ومتفق تماماً مع طبيعة الإنسان الفضولية.. وحاجته الغريزية لإثبات وجوده التاريخي. فنحن جميعاً نتمنى أن نعيش فترة ما من الماضي.. يسعدنا استرجاع تاريخها.. وأشخاصها وكثيراً ما نتشوق إلى معاصرة أبطال وشخصيات تاريخية.. تأثرنا بها.. وبأعمالها في حياتنا الحاضرة.. ولكون ذلك بالطبع يبقى أمراً مستحيلاً فإن خير مصدر لإشباع تلك الرغبة والحاجة فينا جميعاً.. هي في اللجوء إلى الروايات التي تسرد تفاصيل عن أحداث ما في التاريخ.. أو شخصيات خالدة بأعمالها.. وبطولاتها.
