غير مصنف

لا تُقيّم الأخلاق بالكيلو

[جريدة القبس 27/9/2021]

في ظل الأبعاد السياسية التي صاحَبَت ظهور «داعش» وفكره المتطرف، وعلى الرغم من رواج نظرية المساهمة الأمريكية والغربية في صناعة داعش والقاعدة وغيرهما، فإنه لا يمكن تجاوز حقيقة أن الفِكر الداعشي هو في النهاية نتاج لهجين وتزاوج بين السلفية الوهابية وتيارات إسلامية أخرى، وأن النظرية الأمريكية التآمرية هنا لم يكن لها أن تُحقّق نجاحاً لولا أن المنطقة بأسرها باتت مُشبّعة بفكر ديني “صحوي” أصولي ومُتشدّد منذ فجر السبعينيات، وبالتالي مؤهّلة لاستقبال مثل هذه الأيديولوجيا العنيفة والمتطرفة، التي أباحت الخروج عن أدنى مقومات التسامح وعن قِيَم الفروسية والأمانة والصدق، وكل ما نادت به الأديان كافة من فكر تسامحي مسالم وأخلاقي في توجهه ونزعته.
إن أولى الخطوات نحو محاربة مثل هذا الفِكر المتطرف تكمن في التعرّف على أيديولوجيته وفهمه من الداخل حتى يتحقّق النجاح في هزيمته أو في احتوائه، فمثل هذه الفِرَق غالباً ما تستجير بالعقيدة وتفاسيرها لتبرير وجودها وتأمين بقائها، وهو أمر استدرج الكثير من الناس وجعلهم يُبرّرون بعض المفاهيم المُتَطرّفة التي تمارسها هذه الفرق باعتبارها استعادة للإرث الفكري، الذي أرساه ابن تيمية في القرن الثالث عشر، وفسّره وطبّقه فيما بعد محمد بن عبدالوهاب وأتباعه.
لقد أدّت سيادة وهيمنة مثل هذا الفِكر وعبْر أكثر من أربعة عقود إلى خَلْط مخيف في مبادئ وأسس الأخلاق التي هي عماد كل الأديان وأهم ركائز المجتمعات المدنية الحديثة، وأصبح معها معيار الأخلاق مُقنّناً ومُرتبطاً وبشكل مطلق بممارسة الشعائر، أو بالالتزام بالجانب الشكلي البحت من العقيدة.. كالملبس والهيئة الخارجية، فأصبحت معها المجتمعات «غير المسلمة» مجتمعات غير أخلاقية ومصيرها نار جهنم! وغاب من طرح الأدبيات الأصولية التي بنى عليها «داعش» والقاعدة ممالكهما وشنا من خلالها حروبهما واستحقا وفقاً لها ثواب الجهاد والذّود عن الشريعة! غاب عنهما أن الأخلاق تحوي مفاهيم أشمل وأعمق.. دعت إليها كل الأديان، وحَضّ عليها الإسلام بالدرجة الأولى في قول الرسول “وإنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، فالأخلاق مفهوم واسع يشمل العدل والعدالة والأمانة في العمل والصّدق في القَول واحترام حقوق وحريات الآخرين، وحقهم في أن يختلفوا معنا من دون أن نزدريهم أو نضطهدهم، وكلها أمور اختفت وبكل أسف من معاجم وسلوك الفِرَق الأصولية كداعش والقاعدة.. بل ومن قِيَم بعض تيارات الإسلام السياسي والجمعيات الخيرية، فأصبحت مؤسسات كوزارة الأوقاف مثلاً. وهي المنوطة بها مسؤولية الأئمة وخطباء المساجد ووعاظ الإعلام.. أصبحت من أكثر الوزارات حصاداً لمؤشرات الفساد بشكل عام!
لقد احتَضَن الشرق الأوسط الديانات الإبراهيمية الثلاث.. وجميعها ديانات تَحض على الأخلاق والتسامح والسلام، ومع ذلك فقد كان وما يزال أكثر مناطق العالم سخونة وحروباً وعنفاً ودماراً ودموية، وحتماً لا يمكن أن يكون الخلل بسبب ظهور هذه الديانات في هذه المنطقة الحيوية، بقدر ما هو خلل أصاب مُمارَسة تلك الديانات، والتي يُصر أتباعها على أنهم مصدر الأخلاق الوحيد.. على الرغم من غياب الدلالات التي تُوحي بذلك.
فالأزمات الأخلاقية تضرب عميقاً في منطقتنا وفي كل شؤوننا الحياتية، فالرشوة والفساد والعنف وقمع المرأة والتحرّش الجنسي واللاتسامح ورَفض الآخر.. كلها ممارسات أصبحت وبكل أسف من سِمات المنطقة التي نزلت فيها أهم الأديان، خاصة إذا ما تمت مقارنتها بمؤشّر الأخلاق العالمي.. وقِيَم السلام والتسامح السائدة في دول لادينية إن صح القول.. مثل آيسلندا مثلاً، التي تعيش فيها نسبة عالية من اللادينيين..لكنها تَتَصدّر العالم كأكثر دولة تَتَمتّع بالسلام والأمان والتسامح!
لا أحد يدّعي إطلاقاً أن مشكلتنا هي مع الدين.. بل هي في التزوير الذي يُمارسه البعض تحت مظلّة الدين ومن داخل عباءته، وهؤلاء للأسف يحتلّون مراكز التفسير والخِطابة والتشريع والوَعظ.. وإذا كان العالم الإسلامي فعلاً حريصاً على إعادة النصاب الأخلاقي المؤسسي إلى الدين الإسلامي فلتكن البداية منهم، فهؤلاء يُحاربون الفكر الحر والتسامح والتعايش مع الآخر بالكلمة، والتي هي أوقَع من مدافع داعش والقاعدة.
لا يمكن أن تُقيّم القيمة الأخلاقية بالكيلو أو بالأوقية.. فهي بِمنزلة الظاهرة المُمتَدّة عبر شرائح بشرية ضِمن المجتمع الواحد، وقد تضيع قيمتها العليا إن تم تحديد نطاق أو معيار فائدتها.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى