الأرشيف

لا تخافوا التغيير

[جريدة القبس 5/10/1991]

قصة الإنسان في سعيه نحو الكمال.. قصة قديمة قِدَم الإنسان نفسه، منذ أن استدرج الشيطان آدم G إلى الثمرة المحرمة مستغلاً فضوله وسعيه في البحث عن الكمال.
وقد كان في قصور الإنسان حكمة ونعمة.. فهو دائماً يسعى إلى التحكم في ذلك القصور.. ويحاول تغيير ما يحول دونه ودون الوصول إلى الكمال المنشود.
ومع تباين احتياجات الإنسان عبر مراحل التاريخ.. وعبر ظروف اجتماعية مختلفة ومتغيرة دوماً.. ظهرت حاجة الإنسان الملحة إلى التغيير المستمر. فعلى سبيل المثال، كانت الحاجة ماسة إلى تغيير شامل في العلاقات الاجتماعية والنظم السياسية التي سادت بعد الثورة الزراعية.. حين أصبح من المتعذر أن تفي بحاجة الإنسان لتنظيم مجتمعه وهو يخطو نحو مجتمع صناعي، فجاء التغيير متماشياً مع المعطيات الجديدة للمجتمع الجديد.
وهكذا تتغير المجتمعات.. سعياً وراء المزيد من الاستقرار والذي لا يتحقق إلا بخلق توازن وانسجام بين ما تأتي به الحياة مع معطيات جديدة من ناحية وبين النظم والقوانين الموجودة أصلاً من ناحية أخرى.
ومنذ منتصف السبعينيات، والعالم تعصف به رياح التغيير والتي شملت مجتمعات عديدة أصبحت حاجتها للتغيير أكثر إلحاحاً مع ازدياد التعارض بين ظروف الحياة في تلك المجتمعات وبين ما تنتهجه من نظم وقوانين.
وغالباً ما تظهر حدة ذلك التعارض، حين يتعرض المجتمع لأزمات سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، كما هو الحال في الاتحاد السوفيتي حين دعت الحاجة لإعادة النظر في النظم الاقتصادية والسياسية والفكرية، والتي كانت سائدة، كأسلوب لإصلاح المؤسسة الاقتصادية، والذود بالمجتمع عن المزيد من المعاناة اقتصادياً.
ولكن كيف يتغير المجتمع؟
لو نظرنا للمجتمع الكويتي بعد كارثة الغزو.. والتي خرج فيها من تحت الأنقاض ليجابه أزمات كثيرة، عصفت به وما زالت تعصف من كل ناحية.. فالنار تلتهم الاقتصاد، والمشاكل الاجتماعية جديدة تماماً على هذا المجتمع.. التي خلفها الغزاة وهم يطبقون شريعة الغاب… والتغير الجذري الذي اكتنف المواطن الكويتي في نظرته وتقييمه لأمور كثيرة تخص هذا الوطن، تحت ظل أوضاع كهذه.. لا يصبح التغيير رفاهية اجتماعية.. بقدر ما هو حاجة ملحة.. فالفرصة المتاحة لهذا المجتمع كي يأتي بالجديد.. لن تجيز التسامح والعفو عن تلك الفئات التي تعج عن اغتنام الفرص.. والتي نادراً ما يوفرها الزمن للتطور والتغيير.
لقد عاش أفراد هذا المجتمع بين مشرد ومطارد ومظلوم، إبان فترة الاحتلال البغيض.. يستلهم العزاء والمواساة من أمل لا يفارقه.. بأن تكون تلك هي فرصته لفتح صفحة بيضاء يبدأ فيها كتابة جديدة تخلو من التكهن والارتجال في صناعة المستقبل.. فإذا بالوطن يعود.. وتعود معه أدق التفاصيل التي كانت تنظم حياته، بكل ما فيها من أخطاء وسلبيات، وتعود معها طوابير منظمي شؤون الوطن لتتبوأ مكان الصدارة من جديد، وتعيد اجترار ذات القوانين وذات النظم.. لتشكل بذلك عثرة في سبيل التغيير، ولتقف حاجزاً يعيق تقدم دماء جديدة ساهمت وأثبتت كفاءتها في تنظيم شؤون الوطن إبان فترة الاحتلال.
كثيرة هي الآمال والتطلعات التي وضعها أبناء مخلصون لهذا الوطن.. لتغيير أوضاعه بغية تحسينها.. ولكن العراقيل التي كانت تقف عثرة في سبيل تطبيقها، كانت في انتهاج ذات الأساليب القديمة.. لإصلاح أمور استورثتها الأحداث التي عصفت بهذا الوطن.
أن يعود المجتمع إلى ما كان عليه لا ينم عن ظاهرة صحية أبداً فمن فشل أو عجز عن اتخاذ قرار ناجح في زمن الاستقرار.. عاد بعد أن حدث ما حدث، ليتصدر ثانية ويطبق ذات القوانين العقيمة. نحن لا نستطيع ولن نستطيع أن نتبوأ مكاناً في المستقبل.. ونصر على أن نفرض قوانين لم تعد مناسبة في هذا الزمن.. وأصبح كل ما يميزها أنها تستمد صلاحيتها من مبررات ذهنية اختمرت في عقل مسئول.
إن محاولتنا لإصلاح أوضاع هذا الوطن بعد التحرير.. والتي أثبتت أحداث الغزو أنها كانت تستند في تطبيقها إلى الكثير من القوانين العقيمة المفرغة.. لا تتم إلا بضخ دماء جديدة.. تكون لها القدرة في معالجة ما عجز عنه الغير.. لتبدأ حيث توقف الآخرون.
إننا نخطئ كثيراً حين ننظر للمجتمع على أنه كيان جامد غير قابل للتغيير.. فكما أن الإنسان ينمو من طفل إلى رجل.. كذلك المجتمع يمر بمراحل نمو طبيعية.. تماشياً مع حكم تطور الحياة ونموها المستمر.. ولا يثري مسيرة أي مجتمع شيء بقدر ما تثريها التجارب والأزمات.. والتي تشكل حجر الأساس الذي يتحطم حوله كل ما يحول دون المجتمع والتطوير. فمشكلتنا الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، ليست وليدة للغزو إلا أنها الآن فرصتنا لإعادة صياغة ما أغفلناه سابقاً فمشاكلنا مع التعليم لم تبدأ بقرار الدمج.. كما أن المشاكل الاجتماعية لم تظهر فقط كردة فعل لكبت دام سبعة أشهر، لقد تدحرجنا وابتعدنا كثيراً عن قمة الجبل إبان فترة الغزو.. وها نحن نعاون الصعود ثانية.. وبالرغم من مشقة عملية الصعود هذه.. وما تتطلبه من إحساس عال بالمسئولية، وحتى نضمن سلامة الوصول.. علينا أن نتناسى ما يناسبنا وما لا يناسبنا كأفراد منفصلين، وبمعزل عن ما يناسب الوطن كوحدة وخلية متكاملة.
قد تختلف الآراء حول مدى حاجتنا أساساً للتغيير.. وهو منطق عقيم.. وأجدى بنا، عوضاً عن ذلك، أن نختلف على كيفية التغيير.. وأين يبدأ.
والإجابة.. كما تبدو لي.. أن البداية تبدأ من كل فرد قبل أن تصل إلى أي مسئول.. فكل من بيده القرار في هذا الوطن كان فرداً يوماً ما.. ولو أن التغيير طاله حينذاك.. لأصبح احتمال الخطأ عند صنع القرار أبعد.. ولو أن عملية الفرز بين من يقرر ومن ينفذ، والتي تستند على الاختلاف في القدرات، تمت في مرحلة سابقة.. لخرجنا بأساس أقوى.. لمجتمع أفضل، وكثيرة هي “اللو”. ولكن ما يكسبها منطقية أنها تدور في إطار الممكن، وليس المستحيل.. فعملية بناء أساس للفرد منذ البداية، تبقى أكبر ضمان لمستقبل أفضل.. ومجتمع أكثر ثقة وقدرة على إدارة الوطن.
لا أحد يستطيع أن يضمن أو يتكهن أننا بمحاولتنا للتغيير هذه، بمقدورنا تفادي الخطأ.. لنصبح أقل عرضة للوقوع فيه مستقبلاً.. إلا أن ذلك لا يعني أبداً أن نصر على سلبيتنا. ونصد متطلبات التغيير، خوفاً وخشية أن نقع في الخطأ.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى