الأرشيف

لا أحد يملك صكوك الغفران ولا الرحمة

[جريدة القبس 7/1/2023]

لم يتصوّر أحد أن يؤدّي تداول مقطع فيديو للشيخ عبدالله النوري، رحمه الله، إلى كل هذا الجدل المصحوب بالغضب أحياناً، والذي عبّر عنه البعض.
الفيديو يحوي إجابة للشيخ النوري حول جواز الترحّم على الميت غير المسلم، حيث ورَدَ في سؤال لأحدهم أنه قد سمع بأنه لا يجوز الترحّم على الميت غير المسلم، فلا يقال “فلان رحمة الله عليه” إلا إذا كان مسلماً يؤمن برسول الله وبكتاب الله وباليوم الآخر.
الجواب على هذا السؤال جاء على لسان الشيخ عبدالله النوري كالتالي: “نحن مسلمون، وديننا هو القرآن، والقرآن أمَرَنا أن ندعو بدعاء إبراهيم عليه السلام، أبو ابراهيم هو آزر، رأس الشّرك في زمانه، صانع الأصنام، ومع ذلك فإن إبراهيم يقول رب اغفر لي ولوالدي. أصحاب الرسول الذين عاشوا معه، وأسلموا على يده، أغلب آبائهم كانوا كفرة مشركين يعبدون الأصنام. أبو عبيدة عامر بن الجراح قَتَل أباه لأنه كافر، ومع ذلك يقول في صلاته رب اغفر لي ولوالدي”، ثم يضيف الشيخ النوري: “رحمة الله ليست مُلكاً لي ولا لك، رحمة الله ليست مُلكاً لأحد، وإنما لله عز وجل وحده، فالله قال: ورحمتي وسعت كل شيء. وإذا أدى إليك أحد معروفاً، وهو غير مؤمن، فمن الواجب أن أُجيبه بجزاك الله خيراً، لأن الله أمرني بأن أشكر النعمة، فإذا مات فكيف أجازيه إلا بأن أدعو الله أن يرحمه، فإذا أراد الله أن يرحمه، فهل أمنعه أنا أوأنت؟”.
ثم يختم الشيخ الجليل، رحمه الله، بأنه لم تَرِد في هذا الموضوع أحاديث تمنع الترحّم على غير المسلم، بل حتى الحديث الوارد بشأن سفّانة بنت حاتم الطائي، حين ذكرت أباها لرسول الله، وقالت كان أبي يكسو المحروم، ويُطعِم الجائع، ويُكرِم الضيف، ويُعينه على نوائب الدهر، فكان جواب النبي إن أباك كان يُحب مكارم الأخلاق، ولو كان مؤمناً لتَرحّمنا له، أي أنه لم يمنع الترحّم عليه. فالرحمة وسعَت كل شيء.
واضح أن هنالك توجّساً أصبح شبه سائد اليوم لأي لهجة تسامحية في العقيدة، فسيطرة التوجّه الإسلامي المُسَيّس منحت بعض الفئات منه سلطة ونفوذاً سيكون من الصعب عليها التنازل عنهما، سلطة اكتسبتها أغلب تيارات الإسلام السياسي بواسطة بث الخوف بدلاً من الطمأنينة في القلوب، وزرع التبعية المُغلَقَة في النفوس بدلاً من إعمال العقل الذي هو الهبة الإلهية، التي ميّزت الإنسان عن سائر المخلوقات.
المؤسف أن أحدهم لم يجد في حديث الشيخ النوري، رحمه الله، إشارة الرحمة، التي شدّت أغلب المتابعين، فكان أن علّق على الفيديو بأنه قد سبق للشيخ الفاضل أن تناول معصية السيدة غير المُراعية لارتداء الحجاب، وعما إذا كان من أيّده في فيديو وجوب الرحمة على غير المسلم، سَيؤيده في تأكيده على الحجاب، وهو بلا شك تعليق بعيد عمّا ورد في الفيديو، الذي أثارت سماحته البعض، لكن والأمر كذلك، فإنه من وجوب تعميم الفائدة هنا تناول مسألة الحجاب في الإسلام ولو بشكل مقتضب، والإشارة أولاً إلى أن العاصية ليست كافرة، وأن الحجاب لطالما شكّل حالة من الجدل وسط جموع الناس، بينهم فقهاء في الدين، فها هو الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية في الأزهر، يقول إننا في دولة فيها قانون يؤكّد أن الدين الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع، وأن الحجاب ليس فرضاً في الإسلام، ولكنه عادة تمارسه نساء المسلمين، مؤكداً أن النقاب ليس من الإسلام، كما دار الجدل بين الفقهاء وغيرهم في تفسير لغوي لمفردات وَرَدَت في سورتي النور والأحزاب مثل ﵟيُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّﵞ ﵝالأَحۡزَاب : ﵙﵕﵜ ، وأيضاً”ﵟوَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّﵞ ﵝالنُّور : ﵑﵓﵜ ، حيث تفاوتَت التفاسير فيما إذا كان الشعر ومن ثم الرأس مشمولين بوصف الجلباب أو الخمار اللذين جاء تعريفهما في قواميس اللغة كأردية لِسَتْر البدن وليس الرأس، وإذا ما احتكمنا هنا إلى ما ورد في سورة آل عمران: ﵟهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُﵞ ﵝآل عِمۡرَان : ﵗﵜ ، يكون السؤال حول مدى اعتبار الآيات الواردة بشأن الحجاب هي من الآيات المُحكَمات أم المُتشابهات، وبالتالي يجوز اختلاف الفقهاء في تفسيرها.
وبالعودة إلى الموضوع أعلاه، يرى الكثير منا أن غلو الطرح الديني قد جاء وبشكل مؤسف على حساب الرحمة والمودة والتسامح، التي يتكرر ذكرها في القرآن وبشكل يفوق آيات العقاب. ونحمد الله جميعاً بأن الرحمة ليست بيد البشر وإنما بيد الله الرحمن الرحيم، فلا أحد يملك صكوك الغفران ولا هِبات الرحمة، ﵟرَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠ﵞ ﵝالكَهۡف

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى