تقارير وحوارات

لأن طاقته لا محدودة ولا يجوز تضييعه

التأمل من أجل استخدام أفضل للعقل

التأمل من أجل استخدام أفضل للعقل
يرى الأشخاص الممارسون لرياضة “اليوغا” باستمرار.. أنهم استطاعوا عن طريق “اليوغا” ورياضة “التأمل” “Meditation”.. أن يتعرفوا على أنفسهم بصورة أفضل.
وفي محاولة من أحد الضالعين في رياضة “اليوغا” و”التأمل” لتأكيد حقيقة أن أكثر ما يجهل الإنسان هو نفسه وذاته.. يدعونا أن نحاول تأمل أنفسنا عند الاستيقاظ من النوم.. أو الخلود إلى النوم.. في هذه اللحظات.. يقول ذلك الشخص.. لا تحاول أن تغادر سريرك فوراً.. وإنما حاول أن تتأمل ما حولك بدءاً بالأصوات التي تسمعها حاول أن تستمع إليها بصورة سلبية تماماً.. لا تحاول أن تحلل أو أن تفكر بتلك الأصوات.. فقط حاول أن تتأملها بذهنك.. ثم بعد ذلك حاول أن تتأمل جسدك.. بدءاً بأطراف أصابع رجليك.. صعوداً إلى الساق.. ومنطقة البطن.. ثم اليدين.. وصعوداً إلى منطقة الرأس.. فقط حاول أن تتأمل جسدك بلطف ودون محاولة تفكير أو تمعن.
إننا جميعاً لا ندرك.. أهمية أجسادنا.. بل ونجهل في أغلب الأحيان حقيقتها.. وعلماء “اليوغا” يرون أن الطريق الوحيد للتعرف على النفس “Self” هو بالالتقاء بها. واكتشافها.. وذلك لا يحدث إلا بالتوجه إلى داخل الجسد “Body” لاكتشاف النفس “Self” وهو المبدأ الأساسي وراء رياضة التأمل أو الـ “Meditation” فنحن كبشر لا نعي في فترة الاستيقاظ سوى إحساس واحد بالعالم من حولنا.. وهو ما نطلق عليه “الوعي” بينما هناك أربع مراحل “للوعي” أو للإحساس وهو يطلق عليه الحالة “State”.
المرحلة الأولى أو الحالة الأولى هي إحساسنا الطبيعي في مرحلة الاستيقاظ أو الـ “Awakening”.. أما الحالة الثانية فهي مرحلة أو حالة الأحلام “Dreams” وهي تختلف اختلافاً جذرياً عن الحالة الأولى من الوعي.. بينما تأتي المرحلة الثالثة من الوعي وهي حالة اللاوعي أو الـ “Subconscious”. وأخيراً تأتي الحالة الرابعة من الوعي وهي التي يمكن أن نصل إليها من خلال الـ “Meditation” والتي هي حالة من الوعي تضم في إطارها جميع حالات الوعي في العقل البشري.
قد يتخيل البعض أن الـ “Meditation”.. من الصعوبة بحيث يحتاج إلى جهد ووقت طويلين للقيام به، وتلك فكرة خاطئة.. فنحن نمارس الـ “Meditation” في أغلب أوقاتنا.. ومن خلال نشاطنا اليومي.. فنحن عندما نقوم بعمل شيء ما.. أو إصلاح شيء معين.. فنحن نقوم بعملية تأمل عميقة كما نقوم به من عمل وذلك حتى نستطيع فهمه وإنجازه بصورة أفضل. بل وحتى عندما نقرأ من كتاب ما.. فإننا نمارس عملية التأمل.. وذلك من خلال التمعن والتركيز الشديدين على ما نقرأه حتى يتسنى لنا فهمه واستيعابه، وتلك هي أساس رياضة “التأمل” فكل ما ننجزه في يومنا وأثناء حياتنا يصبح أكثر نجاحاً وفاعلية.. كلما ازداد تركيزنا على تلك النشاطات، ويبقى كل ما هناك في التأمل أن القدرة على التركيز أو التمعن أو التأمل تلك.. تستخدم للتمعن في النفس من داخل.. أي في الـ “Inner Self” فكما أن العقل يصبح أكثر قدرة على فهم الظواهر الخارجية حين يزداد تركيزه على تلك الظواهر.. كذلك فإننا نصبح أكثر قدرة على فهم أنفسنا إذا وجهنا ذلك التركيز نحو النفس من الداخل.
توجيه الطاقة
وإذا أردنا أن نمارس التأمل “Meditation” بنجاح يجب أن نعرف أولاً.. على ماذا.. وإلى أين سنتوجه بطاقة التركيز والتأمل تلك.. هل سنتأمل العالم من حولنا.. أم هل سنحاول أن نتأمل أحلامنا ورغباتنا؟
في الواقع أن القصد الأساسي من التأمل هو معرفة النفس بصورة أفضل.. ولتحقيق ذلك لا بد إذاً من أن نتأمل في النفس ذاتها.. ولكن ذلك قد يعني أن نتأمل الأفكار والأماني التي هي في عقولنا.. وتلك فكرة خاطئة.. فعلاقتنا أثناء “التأمل” هي مع النفس “Self” وليس مع العقل “Mind”، وحتى ندرك تلك الحقيقة، لنحاول أن نتصور أن فكرة ما تعبر في عقلنا.. ونحن في وضع التأمل “Meditation”.. سنحاول أن نميز تلك الفكرة أو الخاطرة كشيء جيد.. أو سيء..إن الذي يميز تلك المخاطرة ويعطيها صفتها ليس العقل “Mind” وإنما هي النفس أو “Self”.. فهي الشاهد الوحيد على ما يدور سواء داخل أم خارج أجسادنا.. لذلك مهما حدث.. ومهما حاولنا أن نتجاهل النفس.. فهي.. أي النفس “Self” ترى وتعي كل شيء.. والوصول إلى تلك النفس الواعية لكل شيء.. هو التأمل الحقيقي “True Meditation”.
لذلك.. لا تحاول وأنت تتأمل “Meditation” أن تفرض حالة ما.. فقط حاول أن تتوجه بانتباهك ووعيك كله إلى داخل نفسك.. وتأمل في “النفس” “Self”.. التي تعلم بكل ما يدور في داخلك ومن حولك، لذلك فعندما تحاول أن تتأمل بهذه الصورة.. لا تنزعج بالأفكار.. والخواطر التي قد تعبر.. فقط حاول أن تتجاهلها.. واجعلها تعبر دون أن تبدي لها أي انتباه.. لا تحاول أن تحلل تلك الأفكار.. فقط تجاهلها واستمر في تأمل نفسك من الداخل فهي الشاهد الوحيد على تلك الأفكار.. إذا استطعت أن تصل إليها.. استطعت أن تتحد بها.. وتسيطر حتى على أقوى وأعنف الخواطر.. والأفكار..
مع استمرارك في التمرين.. ستجد أن قدراتك في السيطرة على الأفكار والخواطر العابرة ستصبح أكبر.. وبذلك يصبح العقل “Mind” خالياً من تلك الخواطر.. مما يعطي فرصة لمزيد من الضوء على النفس.. وبالتالي مزيد من الوضوح والإدراك لأعماق النفس “Self”.
الجلوس الصحيح
ولكن قد يتساءل البعض.. كيف أبدأ رياضة التأمل.. وهل أحتاج لوضع معين.. أو لملابس معينة!!
في الحقيقة هناك عدة طرق للتأمل ولكن أولاً يجب أن نذكر القارئ العزيز هنا.. بأهمية طريقة الجلوس أو “The Posture” فلكي نتمكن من التأمل بفاعلية أكبر.. يجب أن نجلس بصورة صحيحة، بل أن أسلوب الجلوس الصحيح أو ما يسمى بـ الـ “asana” هو نقطة هامة جداً في التأمل وهناك ثلاثة أوضاع مختلفة بالإمكان استخدام أياً منها عند التأمل.. إلا أن أكثرها شيوعاً هو ما يطلق عليه وضع الـ “LOTUS”.. وهو الجلوس أرضاً مع طي القدمين تحت الساقين.. وهو وضع الجلوس السائد في أغلب المناطق العربية، إلا أن المهم فعلاً في وضع الجلوس عند التأمل.. هو استقامة الظهر.. وذلك لأن استقامة العمود الفقري تجعل وضع العقل مستقيماً مع وضع القلب.
التنفس
أما النقطة الثانية المهمة في “التأمل”.. فهي أسلوب التنفس أو الـ “Pranayama”.. فقبل البدء بعملية التأمل.. نقوم بأداء التنفس لمدة ثلاث دقائق.. ويتم التنفس بإغلاق إحدى فتحي الأنف وإطلاق الزفير أولاً من خلالها.. ثم ومن نفس الفتحة يتم سحب الهواء أو الشهيق.. ثم نغلق فتحة الأنف تلك.. وبحيث نفتح الفتحة الأخرى ونطلق هواء الزفير.. ثم نسحب الهواء أو الشهيق ونكرر العملية لمدة ثلاث دقائق.. مع التركيز الشديد على ممر الهواء من خلال أجهزة التنفس في الجسم، بعد ذلك تبدأ عملية “التأمل” “Meditation” ويستمر التنفس خلالها بصورة طبيعية.. ودون محاولة التحكم فيه..
التركيز
بعد التنفس.. تبدأ عملية التركيز أو الدخول إلى النفس.. وهناك عدة أساليب لتسهيل تلك العملية.. فهناك الـ Mantra” والتي تكون بترديد كلمة معينة.. بداية بصوت مسموع.. إلى أن يصمت الصوت.. ويصبح ترديده داخلياً فقط.. وبحيث نتغلب على كل ما قد يمر بعقلنا من خواطر وذلك بزيادة التركيز على تلك الكلمة.
الصورة الثالثة
هنالك من الأساليب للتأمل.. ما قد لا يسعنا هنا.. ذكره.. ولكن من الأساليب الشائعة جداً.. أسلوب العين الثالثة أو الـ “Third eye” ويكون ذلك.. بإغماض العينين.. وبالطبع بعد اتخاذ الوضع الصحيح في الجلوس.. ثم التنفس لثلاث دقائق.. ثم نحاول النظر إلى المنطقة الواقعة أعلى وفي منتصف العينين.. وهي عملية قد تكون مؤلمة بعض الشيء في البداية.. وذلك للضغط الشديد على أعصاب العين.. في محاولة النظر والتمعن في المنطقة الوسطى.. التي تعلو العينين.. إلا أنه وسرعان ما يتم التغلب على ذلك الإحساس.
وعندما نتعمق في التأمل.. وذلك بالممارسة اليومية.. ستجد أنك شيئاً فشيئاً قد بدأت تعبر الصورة المادية لجسدك.. إلى صورة خفيفة.. كانت تجهل وجودها دوماً.. وتستطيع أن تسمو فوق وجودك المادي لتصل إلى مرحلة السمو في التأمل.. أو ما يعرف بـ الـ “Transcendental State”..
قد يتساءل البعض هنا.. وما هي الفائدة التي يمكن أن يجنيها من يمارس التأمل وهل تستحق الاستمرار في الممارسة.. والالتزام بها..
وللإجابة على مثل ذلك التساؤل نقول.. أن هناك واقع نفسي يجعل من يمارس التأمل.. يحس بسعادة قصوى.. مردها قدرته على الاتحاد بنفسه.. واكتشاف وجودها.. بل والانسجام كلية معها، أما الدافع الآخر.. فهو تزايد إحساس من يمارس التأمل بالقوة والقدرة على التحكم ليس فقط بجسده وأعضائه.. وإنما بعقله.. والذي هو المحرك الرئيسي لكل نشاط يقوم به الفرد. فالعقل وهو الجهاز الأهم والأقوى الذي يملكه البشر.. إذا استطاع الإنسان التحكم فيه.. فإنه سيستطيع أن يتحكم بما يدور به، والعقل استطاع أن يتخذ صفته المادية.. وذلك بقدرته على حفظ وتذكر الأشياء والقيام بأداء الأعمال التي ترسلها أجهزة الجسم.. وطبيعة العقل أنه يحاول أن يفسح الطريق دوماً للأفكار السارة.. والمشاعر السعيدة.. ومحاولة كبت ما غير ذلك من أحاسيس غير سارة.. وغير مفرحة وعن طريق التأمل.. نستطيع أن ننشط من أداء العقل ونوجه أداءه.
المشاعر
العقل في أدائه هو مجموعة من الأحاسيس.. والمشاعر المتتابعة.. والتي يستقبلها العقل.. لكن عملية حفظ تلك المشاعر سواء السار منها أو المحزن.. عملية تخلق قيوداً تعرقل أداء الإنسان.. وتخلق منه إنساناً كسولاً بليداً.. ولكن إذا أدركنا أن تلك المشاعر ليست هي العائق الوحيد أمام الإنسان.. وإنما القدرة على استمرار وحفظ تلك المشاعر واسترجاع السار منها.. وكبت المحزن وغير السار فيها.
وقد نلاحظ أثناء ممارسة التأمل وخاصة في البداية.. أن تلك المشاعر السارة تحاول أن تبرز باعتبارها الحقيقة الوحيدة في العقل.. وكيف أنك تحاول أن تكبت أياً من المشاعر غير السارة.. وتحاول منعها من الاستمرار.. أن ذلك الصراع هو الذي يفني الجسد.. وينهك العقل ولكن إذا تم التحكم بذلك الصراع.. وبحيث لا تعود الأحاسيس والمشاعر لتجر ورائها ما يطيل عملية الصراع تلك.. فإن إحساساً حقيقياً بالسعادة والسكون سيسود، فلقد استطاع العلم أن يسخر “الذرة” لخدمة البشر.. فقط عندما عرف خصائصها.. وطاقتها.. واستطاع استغلال تلك الطاقة بما يعود بالفائدة على البشرية.. فنحن نستطيع أن نستخدم العقل بصورة أفضل إذا استطعنا أن نستغل طاقته اللا محدودة.. وأن لا نضيعها في صراع غير مجد.
القدرات الذهنية
وحتى نتأكد من حقيقة أهمية التأمل.. لنحاول أن نقارن بين قدراتنا الجسدية.. والذهنية بعد فترة من النوم المريح الهادئ.. وبين نفس القدرات الجسدية والذهنية.. بعد ليلة أرق طويلة مزعجة.. بالتأكيد.. فنحن أكثر عطاءاً ونشاطاً.. وطاقة.. بل وسعادة وحيوية في الحالة الأولى.. أي في حالة السكون والاسترخاء.. بينما نحن أكثر حزناً.. وبلادة.. وكسلاً.. وتذمراً.. في الحالة الثانية.. أي بعد حالة القلق والصراع بين النوم.. وعدم النوم..
إننا لو استطعنا أن نسكن العقل.. ونجعله يسترخي ولو للحظات في يومنا.. لاستطعنا أن نتبين مقدار القدرة الهائلة التي يخزنها العقل من خلال تلك اللحظات.. والآن حاول أن تجلس في مكان هادئ.. خافت الضوء.. إجلس منتصب القامة.. متخذاً وضع الـ “Lotus” والذي هو الوضع المثالي للتأمل ثم أغلق بأصبعك فتحة الأنف الأيمن.. وأطلق الهواء بقوة من فتحة الأنف اليسرى مع إغماض العينين ومحاولة تأمل عملية خروج الهواء.. ثم خذ شهيقاً من نفس الفتحة اليسرى.. وأغلقها بعد ذلك.. ثم افتح فتحة الأنف اليمنى وأطلق الزفير.. ثم خذ شهيقاً.. وهكذا.. استمر في عملية التنفس بهذه الصورة.. ولمدة ثلاث دقائق..
ثم ابدأ بالتنفس بصورة طبيعية.. مع إعادة وضع اليد فوق الركبة.. إلى موضعها الطبيعي.. واجلس بهدوء.. محاولاً توجيه انتباهك إلى الداخل.. استمر ساكناً وبانتباهك موجهاً إلى داخل نفسك.. محاولاً التركيز على كلمة “Mantra” ترددها بهدوء وبصوت خافت بداية إلى أن يهدأ الصوت تماماً.. أو بالتركيز على المنطقة التي تعلو وسط العينين، وعندما تبرز بعض الأفكار من داخلك.. لا تحاول أن تبعدها.. فأنت بذلك تبذل جهداً.. والمطلوب في عملية “التأمل” Meditation أن تكون ساكناً تماماً دون بذل أي جهد إطلاقاً.. سوى التنفس حاول أن تكون كل الأفكار التي تمر بك جزءاً من الوعي الذي أنت بصدد “التأمل” فيه.. وتذكر دوماً أن العقل ليس سوى مجموعة الأحاسيس والمشاعر التي إذا ما تجاهلناها ستصبح جزءاً من ذلك الوعي، لا مانع من أن تعبر بك صوراً عديدة.. فالمهم هو أن تكون سلبياً.. ولا مبالياً تجاه كل ما يعبر بك من صور.. وأحاسيس.
وباستمرار ممارستك للتأمل.. ستجد أنك تدخل في مرحلة العدم أو الـ “Void”.. حيث تتحد مع النفس Self.
وعندما تصل إلى تلك المرحلة من التأمل ستستطيع أن تتحقق من فائدة التأمل.. والتي ستشمل جوانب كثيرة من حياتك.. وستعطي سعادة أكثر.. وطاقة أكبر على إنجاز الأعمال.. بل وستصبح أكثر حكمة وقدرة على التعامل والتصرف مع الآخرين.. والأهم من ذلك كله.. أنك ستقضي على كل مكامن الغضب.. والضغط النفسي.. والاكتئاب..

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى