شئون خليجية

لأمن الخليجي.. بلا دبابة!!

جريدة الطليعة 1998/12/16

عقد قادة مجلس التعاون الخليجي اجتماعهم التاسع عشر، والخليج في مواجهة جملة من التحديات الشرسة والقاسية سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي.
ويحمل التحدي الأمني الخليجي أهمية استثنائية هنا تفرضها ظروف منطقة الخليج ضد انفجار الحرب العراقية الإيرانية وإلى يومنا الحاضر، خصوصاً بعد أن أسقط غزو النظام العراقي للوطن المفهوم الخليجي السابق للأمن. وهو أمر يتطلب إعادة بناء جديدة لمفهوم الأمن وآلياته. ففي تصريح لمصدر خليجي مسؤول أدلى به بجريدة الرأي العام عشية انعقاد المؤتمر يقول فيه: “إن الملف الأمني الذي يبرز على جدول أعمال القمة يتمثل في ثلاثة محاور رئيسة منوهاً إلى أن هموم الأمن الكويتي تعتبر إحدى نقاط الانطلاق نحو موضوع الأمن الأوسع لدول الخليج مجتمعة وموقف العراق المتعنت تجاه الأمم المتحدة”.
ثم يمضي المصدر الخليجي نفسه في الحديث عن المحور السياسي المعقد في الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران ليصل في النهاية إلى المحور الأخير المتعلق بقضية تطوير القدرة الدفاعية على مستوى منظومة المجلس لاستمرار الحفاظ على الأمن والسلام في المنطقة.. قد لا يجادل أحد هنا حول ضرورة أن يخرج الاجتماع التاسع عشر لدول مجلس التعاون بصيغة لضمان الأمن الخليجي. غير أن المطلوب تطوير تلك الصيغة بصورة تتوافق مع طبيعة الخطر والتهديد الأمني للخليج والذي شهدنا بعضاً من ملامحه في غزو النظام العراقي للكويت، الذي أسقط أسس ومفاهيم دولية وإقليمية باتت تتطلب إعادة نظر في أوضاع المنطقة بشكل عام، وفي أهداف مجلس التعاون بشكل خاص.
إن فكرة إنشاء المجلس في فبراير 1981، جاءت كإجراء أمني وقائي آنذاك يهدف إلى مساندة العراق في حربه مع إيران، عن طريق إقامة جبهة على امتداد الخليج.. أي أنه إجراء مرحلي لا يحمل استراتيجية أمنية بعيدة المدى، ومما يفترض أن تحويه الخطط والمشاريع الأمنية بصورة عامة.
ومن هنا فقد جاء فشل دول المجلس في التعامل مع الغزو العراقي، كأمر طبيعي ومنطقي عائد إلى غياب بُعد النظر الاستراتيجي الأمني من دفاتر المجلس.. لا شك أن قضية الأمن الخليجي هي أكثر تعقيداً من مجرد تهديد يلوّح به حاكم ديكتاتور لجيرانه.
وسواء أكان الغزو العراقي للكويت، أم كان الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية، فإن السبب يعود مباشرة إلى ما تشكله دول الخليج من إغراء لبعض المقامرين بتحقيق طموحاتهم السياسية والاقتصادية!!
لقد أدى تدفق النفط في الخليج، إلى طفرة اقتصادية هائلة خلقت تبايناً شاسعاً بين الوفرة المالية لدول الخليج من جهة وبين هشاشة الأنظمة الخليجية سياسياً وعسكرياً من جهة أخرى. وإذا كان صدام حسين قد استغل تلك الفجوة لتحقيق طموحاته في هذه المرحلة، فإنه حتماً لن يكون الأخير، ما لم تجر دول الخليج مراجعات وافية وشاملة لمصادر الخطر الحقيقية على أمنها وكينونتها، ولتصيغ بعد ذلك في ضوئها استراتيجيات أمنية طويلة المدى!!
نحن بلا شك ندرك الحدود المتواضعة للقدرات العسكرية الخليجية، ونعلم كذلك أن أمن الخليج في المرحلة الراهنة قد أصبح رهن معاهدات عسكرية مدفوعة الثمن مما يجعل من قضية تطوير القدرات الدفاعية على مستوى منظومة الخليج، إسرافاً وهدراً مالياً في غير محله، خصوصاً بعد الفشل الذريع الذي مُنيت به القوة الخليجية العسكرية المشتركة “درع الجزيرة” عن تحقيق أدنى درجات التعاون والأداء إبان كارثة الغزو.
لذا فإن إحياء مثل هذه المشاريع العسكرية وكما جاء على لسان المصدر الخليجي في بداية حديثنا، يعبر عن قصور في الرؤية بعيدة المدى لما يتعلق بالمشروع الأمني الخليجي!!
إن الأمن مشروع دائم ومستمر، لا يجب أن يكون رهن حالات مرحلية مؤقتة، ولا أن يقتصر على ردود أفعال تفرضها ظروف راهنة، فالأمن حصيلة لعوامل كثيرة، يأتي على رأسها الاستقرار السياسي، والاقتصادي والتطور الديمقراطي وسيادة القانون والعدالة بالإضافة إلى قنوات تؤمن تداولاً للسلطة بصورة تحجب أي شكل من أشكال العنف السياسي.
لا يشترط الأمن أن يتربع فوق دبابة ولا أن يخرج من فوهة مدفع، فتلك أدوات حرب قد تحسم معركة، لكنها قطعاً لا تحقق أمناً!! ويا حبذا لو أن قادة دول مجلس التعاون أصروا على أن يترجل الأمن الخليجي عن دباباته اختصاراً للجهد، وتوفيراً للمال، وعملوا بالحكمة النابعة من تاريخهم العريق، حكمت، فعدلت، فأمنت، فنمت”!!

الطليعة 1998/12/16

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى