شئون دولية

كيف انتصر موز تشيكيتا

كيف انتصر موز “تشيكيتا”؟!!

يبدو أن “قرية العالم الصغيرة” والتي دشنها إعلان النظام العالمي الجديد، قد بدأت بالتمرد على ما أعلنه ذلك النظام من مبادئ ترمي وتهدف إلى خلق برامج تنموية عالمية يعم خيرها على كل أزقة وحارات القرية العالمية الصغيرة!! فبالإضافة إلى ذلك التفاوت الواضح في التعامل السياسي والعسكري بين بلد وآخر، هنالك أيضاً غبن اقتصادي بيَّن تعبر عنه سلوكيات وأطروحات نظام العولمة الاقتصادية، واتفاقايات “الجات” الرامية إلى توحدة العملة الجمركية لدول النظام العالمي الجديد!!

حرب الموز الأخيرة بين الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي تؤكد على الجوانب السلبية لفكرة العولمة بشكل عام!! والتي ستعاني منها وبصورة مضاعفة دول العالم الثالث، حديثة النمو والنهضة!! و”حرب الموز” هذه تصاعدت حدتها مع إعلان الولايات المتحدة عن رسوم جمركية على واردات تبلغ قيمتها 520 مليون دولار من المنتجات الأوروبية!! مما أثار بريطانيا التي استدعت السفير الأمريكي مرتين لإبلاغه بأنها لن تتهاون في الدفاع عن صادراتها!! كذلك كان الموقف الفرنسي والياباني الذي أعلن بأن القانون الأمريكي المتعلق بالتجارة غير مقبول إذ إنه يسمح للولايات المتحدة بالتمييز ضد البلدان بالادعاء بأنها تكافح العوائق التجارية!!

من الواضح أن نهاية القرن لم تحمل معها نهاية للصراع أو للتاريخ وكما تنبأ “فوكوياما”، وإنما حملت مظاهر جديدة للصراع العالمي، جعلت من الاقتصاد وليس السياسة، أداة الحرب الجديدة. ويكفي أن نتخذ من حالة الصراع العربي – الإسرائيلي مثالاً حيوياً على ذلك! فعلى الرغم من كل ما حققته إسرائيلمن نصر سياسي على العالم العربي، إلا أن النصر الحقيقي بالنسبة لها، لا  يكون إلا من خلال انتصار اقتصادي مواز لذلك النصر السياسي. وهو ما عبر عنه الرئيس الأمريكي “كلينتون” بعد التوقيع على اتفاقية إعلان المبادئ بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، حين أشار إلى أن السلام سيعتمد في جانب منه على الاستثمار في منطقة الشرق الأوسط، التي تحتاج إلى التنمية!! مؤكداً بذلك على دراسة قدمها أحد أساتذة الاقتصاد في جامعة حيفا تقول إن الاقتصاد وليس السياسة هو رافعة السلام بين العرب وإسرائيل!!
والحرب بشكل عام، سواء أكانت اقتصادية أم سياسية، فإنها تحمل من الشراسة والعنف ما قد يؤدي إلى تدمير الآخر!! وقد بدأ العالم يعيش تلك المعارك الاقتصادية الشرسة، التي ضاعفت من حدتها تلك القفزة الآسيوية الهائلة والتي أصبحت تطالب بحصتها في السوق العالمية منافسة بذلك الصادرات الأوروبية والأمريكية مما دفع الولايات المتحدة إلى سن قوانين تجارية بهدف وقف ذلك المد التجاري الآسيوي. يقول المراقبون إن “حرب الموز” ما هي سوى حلقة صغيرة في مسلسل كبير جداً ذي أهداف سياسية واقتصادية، وإن قوانين التجارة العالمية ما هي سوى قوانين خاصة تهدف إلى حماية الاقتصاد الأمريكي بالدرجة الأولى، وإن التفرد الأمريكي على المسرح الاقتصادي والسياسي العالمي، سيؤدي إلى مشاكل وأزمات مستقبلية حرجة!!
وقد عبّر العالم عن ذلك القلق من خلال الحوار الذي دار في المنتدى الاقتصادي العالمي في “دافوس” بسويسرا، حيث لفت الرئيس المصري الأنظار إلى واقع دول العالم الثالث التي أصبحت تعاني من زيادة كبيرة في الفقر، بالإضافة إلى إحساسها بالظلم تجاه نظام سيمحو كل سنوات ومكاسب التنمية التي استطاعت تلك الدول أن تحققها من خلال برامجها التنموية والإصلاحية!! وكذلك أعلن السيد كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة عن مخاوفه من احتمال حدوث صدمة معادية للعولمة، إذا لم تراع المؤسسات الاقتصادية، والقوانين التجارية العالمية، مسائل حقوق الإنسان، والبيئة، والحقوق البشرية الأخرى. لقد تحولت قوانين التجارة العالمية التي عززها النظام العالمي الجديد، إلى قوانين أمريكية بحتة، تسعى لحماية الحق الأمريكي في وجه منافسيه من الدول الصناعية الأوروبية أو منافستها اليابان في حرب التفاح والأرز والسيارات، كما دخلت الولايات المتحدة كذلك في حرب مع كندا استخدمت فيها الإدارة الأمريكية كل أنواع المضايقات وذلك في سبيل حماية صادراتها وكما حدث في صادرات اللحوم والحبوب.
لا شك أن أي نظام اقتصادي أو سياسي يقوم على الهيمنة الفردية، لا يمكن له أن يكون نظاماً مستقراً وآمناً!! والنظام التجاري الجديد، يؤمن لربع العالم حقاً مشروعاً في التحكم بثلثي الإنتاج العالمي، لتبقى بعد ذلك البقية الباقية من سكان الأرض منهزمة، تقتات على فتات موائد العولمة، وقوانينها التجارية العنصرية!! لينتصر بعد ذلك موز “تشيكيتا” الأمريكي في حرب الموز، أولى حروب العولمة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى