
في هذه الحقبة من زمن الحروب المدمرة، تلعب آلة الإعلام دوراً غير مسبوق في صياغة تفاصيل هذه الحروب، وتوجيه مسارها، بل وحتى تحديد نتائجها.
لعب الإعلام دائماً دوراً بارزاً في الحروب، وكلنا يتذكر كيف كان هتلر إبان الحرب العالمية الثانية يعتمد على إعلامه، الذي كان يديره، آنذاك، العقل المدبر غوبلز، بشكل لا يقل عن اعتماده على آلته العسكرية ومعداته القتالية.
في كتابه “طموحات إمبريالية”، يتحدَّث المفكر وعالم اللغة نعوم تشومسكي في فلسفة الإعلام، ويضرب مثلا بالإعلام البريطاني، فيقول: “تجدر الإشارة إلى أن هذه الصناعة نشأت في المجتمعات الديمقراطية، حيث تم استحداث أول وزارة للدعاية المنسقة أو وزارة الإعلام في بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى، وكانت من أبرز مهامها، آنذاك، توجيه فكر معظم العالم”.
ويتابع تشومسكي، قائلاً: “إن هذه الوزارة التي استُحدثت في بريطانيا كانت مهتمة على وجه الخصوص بعقل أمريكا، وبخاصة عقول المثقفين الأمريكيين، كانت بريطانيا حينها بحاجة إلى الدعم الأمريكي للحرب، وكان المخططون في تلك الوزارة يعتقدون بأنهم إذا تمكنوا من إقناع المثقفين الأمريكيين بنبل المجهود الحربي البريطاني، فسينجح أولئك المثقفون في دفع الأمريكيين المسالمين الذين لا يريدون أي علاقة بالحروب الأوروبية إلى نوبة من الهستيريا التي تحملهم على الانضمام إلى الحرب”.
ثم يتابع تشومسكي، قائلاً: “إذا كان بوسعك السيطرة على الشعب بالقوة.. لا تصبح السيطرة على أفكاره أو مشاعره مهمة جداً، لكن إذا فقدت القدرة على السيطرة على الشعب بالقوة، فلابد حينها من السيطرة على مواقفه وآرائه”.
إذا كان الإعلام قديماً وقبل اختراع الورق والمطبعة يعتمد على الخطابة والشعر والوعظ، فإنه اليوم يتخذ وسائل متطورة وحديثه، لكن الهدف يبقى واحداً.. وإن كان للتكنولوجيا اليوم بالطبع دور كبير في ترسيخ دور آلة الإعلام في صناعة الوعي وتحديد المعايير الأخلاقية المرتبطة به، بحيث أصبحت الدول الكبرى تضخ أموالاً هائلة وعقولاً تدير مراكز للبحوث وتؤسس لإمبراطوريات إعلامية هائلة تصنع “الحقيقة”، وفقاً لرؤيتها.
تبقى الحقيقة أن الإعلام في كل الأحوال، سواء في الشرق أو الغرب، هو إعلام سلطة ومؤسسات مالية، وليس إعلام شعوب ولا دول ولا مواطنين.
