غير مصنف

كلمة حقّ.. في حقّ فيصل الشايع

[جريدة القبس 15/7/2023]

كتب الزميل أحمد الصراف والأخ يوسف الفضالة في تفاصيل ظروف استقالة رئيس ديوان المحاسبة الأخ الفاضل فيصل الشايع، حيث اقتبس الزميل أحمد الصراف من كتاب الاستقالة حرفياً ما ذكره رئيس الديوان، حيث قال: “بعد أن ساءت النوايا وانحرفت المقاصد، وبات بنيان ديوان المحاسبة، الذراع الرقابية لمجلس الأمة، مهدّداً بالتحطيم والتخريب تحت سندان السياسة المتطرّفة، ومطرقة المنفعة الخاصة، وهنا تتضاعف مسؤولياتي الوطنية، فلابد من أن أقرع جرس الإنذار، فإن كانت الاستقالة من منصب رئاسة الديوان ضرورة لتصحو بها الضمائر الوطنية دفاعاً عن جهاز الشعب لحماية أمواله، فأنا أضعها اليوم أمامكم، لعل فيها تنبيهاً قبل أن يفوت أوانه”. (انتهى).
لست هنا في محضر الدفاع عن الأخ الفاضل فيصل الشايع، فهو قطعاً أقدر مني بهذه المهمة، لكن هنالك ضرورة للالتفات إلى التحذير، الذي وَرَدَ في كتاب الاستقالة، خصوصاً ما يتعلّق منه بوقوع الديوان فريسة تحت “سندان السياسة المتطرّفة ومطرقة المنفعة الخاصة”. وعندما يَرد مثل ذلك على لسان شخصية يتفق الكثير على وطنيتها ونظافة يدها وكفاءتها، تكون من الحكمة والحنكة تقصّي الحقائق وجرد التفاصيل المؤدّية لها والمسبّبة لها في آن واحد، خصوصاً أنها أتت من دون مبررات فنية أو موضوعية تتعلق بأداء رئيس الديوان.
ليست استقالة رئيس الديوان وحدها ما أثارت علامات دهشة واستغراب لدى الكثير من المواطنين، بل إن حالة الفرز التي يعيشها المناخ السياسي في الكويت أخيراً دفعت بأكثر من علامة تعجب واستفهام.
وأصبحت توحي بأن هنالك مناخاً من الانتقام السياسي، الذي قد لا يُميّز بين الصالح من الأداء والطالح منه، وإنما يسير وفقاً للموقع داخل المعسكرات المُتنافسة اليوم.
من ضمن ما أورده الأخ يوسف الفضالة في مقاله عن ديوان المحاسبة والصراع السياسي، استشهاده بتصريح لرئيس الديوان الأسبق المرحوم براك المرزوق، عندما وُجّهَ إليه سؤال عن دور ديوان المحاسبة، حيث أجاب المرزوق حينها بأن مهام الديوان تُعتَبَر من أخطر المهام الموجودة في دولة الكويت، فهو مجلس الأمة ومجلس الوزراء معاً. وبالفعل فقد لعب الديوان ومنذ نشأته في 11 نوفمبر 1962 دوراً في المراقبة المالية، ونصّت مادته الأولى على التالي: “أن تنشأ هيئة مستقلة للمراقبة المالية تُسمى ديوان المحاسبة وتُلحَق بمجلس الأمة”.
لذلك، من المؤسف جداً أن يقع الديوان ضحية لحلقة الصراع والانتقام السياسي اليوم وبشكل لن يُفقِده استقلاليته وحسب، بل دوره الأساسي.
يعلم الجميع مدى حساسية المرحلة الراهنة في الكويت، ويتابع الجميع وبشكل لم يعد خافياً ملامح الصراع الجديد، والذي أصبحت وسائل التواصل الإلكتروني تتداول أخباره ومساهمات اللاعبين الأساسيين فيه، وتلك ربما مسألة اعتيادية الحدوث في أي مجتمع وتحت أي مناخ سياسي، فالقاعدة تقول بحتمية الصراع السياسي، وبخطورة أن تكون لاعباً سياسياً قد تتعرّض دائماً لتقلّبات السياسة وتحوّلاتها، لكن في الوقت ذاته يشترط عبور المراحل الحساسة تقصّي الخطوات وممارسة الحذر حتى لا تجرف معها أو في طريقها ملامح ناصعة وأسساً قيّمة في بناء الدولة.
تأتي المراحل الانتقالية في تاريخ كل الشعوب كمراحل فائقة الحساسية، تخرج فيها عادة أصوات تدعو إلى الانتقام، لكن في المقابل تبقى هنالك أصوات تدعو إلى العدل والإنصاف وتطهير الذاكرة من بعض الأكاذيب والإشاعات، التي قد تجد لها ملاذاً في هكذا مناخ، فالعدالة وحدها هي التي تُحيّد الرغبة في الانتقام وترسّخ شروط النزاهة والشفافية التي حتماً ستعود بالفائدة على الجميع.
ما حدث أخيراً في الكويت، سواء في استقالة رئيس ديوان المحاسبة، أو في استبعاد بعض القياديين المشهود لبعضهم بالنزاهة والكفاءة، لا يُعزّز ميزان العدالة، بل يرسّخ مبدأ الرغبة في الانتقام، وهو أمر لا شك في غاية الخطورة على الجميع.
لم تكن المقالات، التي استنكرت الاستقالة الغريبة لرئيس الديوان، من أجل فيصل الشايع كفرد، وإنما جاءت كلها بمنزلة كلمات حق في حق الشايع وصفته الرسمية، واستنكار لإقحام صراع المجلس والحكومة في بُنية مؤسسات الدولة العريقة، وتجاوز للمادة 151 من الدستور ومن قانون إنشاء الديوان. ولعل في البيان الذي أصدرته بعض جمعيات النفع العام ما يختصر جوهر الأزمة، حيث أكدت أن القضية الرئيسية التي تشغلها هي استقلالية الديوان وسلامة آلية عزل مسؤوليه، إذ يجب أن تكون متدرجة من خلال التحقيق وارتكاب مخالفات جسيمة تدعمها وقائع مادية، بحيث لا تكون خاضعة لتبدّل المزاج السياسي وحسابات المرحلة الراهنة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى