كابوس الهوية الواحدة

كابوس الهوية الواحدة
الذين تابعوا اللقاء الذي أجرته قناة “أوربت” الفضائية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا شك قد أدركوا اللهجة الإسرائيلية الاستفزازية والتي اعتدناها دوماً في أحاديث المسؤولين والساسة الإسرائيليين. غير أنه وبالرغم من استعراض القوة الذي أبداه نتنياهو في المقابلة، إلا أن حديثه قد بدا متواضعاً في طرحه وأثره قياساً بما عرف عن رئيس الوزراء الإسرائيلي من دهاء وحنكة سياسية بليغة. حيث بدا في حديثه كما لو كان يتحدث إلى جمهور أوروبي أو أمريكي، وليس إلى جمهور يقاسمه المأزق، ويتفوق عليه في الإلمام بتفاصيل الأحداث حاضراً وماضياً. فلهجة استجداء العطف والمساندة، والتي طالما ميزت الخطاب الإسرائيلي لا يمكن أن تكون بنفس الفاعلية والأثر حين يكون الحديث موجهاً إلى الضحية.
لقد اقتات الخطاب الإسرائيلي دائماً على الخلافات والاختلافات العربية. واستطاع الآن أن يتفوق على الكم والمساحة العربية بعد الانهيار الكبير في الجسد العربي، والذي أفرزته مأساة الغزو العراقي للوطن وتداعياتها.. مما أدى وبصورة مباشرة إلى تحول كيفي في مسار الصراع العربي – الإسرائيلي تجاه التسوية الشاملة.
لقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في لقائه مع شبكة “أوربت” مدى الحرص والاستفادة الإسرائيلية من الخلافات العربية، والتي كان الرئيس الإسرائيلي يحرص على الإشارة إليها والتذكير بها ضمناً.. مثل حرصه على تذكير المشاهد بالعنف العراقي والأسرى الكويتيين المحتجزين لدى نظام بغداد، وذلك في رده على استفسار المذيع حول دوافع وحقيقة العنف الإسرائيلي.
فالقيادة الإسرائيلية مدركة ولا شك مدى سهولة التعامل المجزأ مع العرب، والذي أثمر تحالفات وارتباطات ثنائية، كانت التنازلات التاريخية من أول شروطها. وهو أمر بدا واضحاً في حديث نتنياهو التلفزيوني حيث كان مصراً على سؤال المتحدثين معه هاتفياً عن مصدر المكالمة وعن بلد المتحدث ولعل في تجاوز المواطن العربي لتلك التجزئة التي اعتمدها الساسة العرب، ما يبشر خيراً..
فلقد انهالت المكالمات التليفونية على البرنامج من كل الأقطار العربية. بدا فيها المتحدثون أكثر نضجاً من رجال السياسية العربية، وعبروا عن وعي وإدراك من قبل الشارع العربي لمكامن القصور في حسابات السلام العربية الإسرائيلية المرتجلة.
نتنياهو في لقائه هذا، ثابر على التأكيد على “حق” إسرائيل في بناء المستوطنات. بما فيها مستوطنة “هارحوما”، حيث يرى أن موقع “جبل أبو غنيم” هو جزء من العاصمة الإسرائيلية القدس. فالمستوطنات بما فيها “هارحوما” تلعب دوراً أمنياً وأساسياً لإسرائيل، بل إن الجيش الإسرائيلي يقوم بتسليح تلك المستوطنات وتدريبها لتكون بمثابة ثكنات عسكرية دائمة.
التعنت الإسرائيلي الذي عبر عنه نتنياهو في ذلك اللقاء، يؤكد أن الخلل الإسرائيلي في التسويات السلمية العربية الإسرائيلية، هو في اختلاف المفاهيم بين الجانبين المتنازعين. فبينما يطرح العرب المتفاوضون قضية “الأرض” كحق تاريخي مشروع ومسلوب، يعتبر الإسرائيليون أن “الأرض” قضية أمنية بحتة، وتشكل عمقاً استراتيجياً لإسرائيل، لا يمكن التنازل عنه.
لقد ساهمت تفاصيل كارثة الغزو في انهيار درجة التعاون والتنسيق العربي التي كانت متوافرة آنذاك. وهو أمر لا شك قد وفر فرصة ثمينة للمفاوضين ثنائية، أربكت مسار القضية العربية بصورة دفعت إلى الخروج بأدنى قدر من الحقوق.
غير أن ردود فعل الشارع العربي، خاصة في مواجهة الاستيطان الإسرائيلي في القدس، قد أكدت مدى استياء المواطن العربي من برامج التسوية المرتجلة بشكل عام.. وما خروج طلبة جامعة الكويت في مظاهرة تندد بالاستيطان الإسرائيلي في القدس وحرقهم العلم، سوى مؤشر على درجة الرفض العربي الشعبي للتعنت الإسرائيلي.
لقد أبدى نتنياهو في لقائه مع الـ”أوربت” مدى اعتماد إسرائيل على هذا الانهيار العربي، فالانتماء المجتمعي العربي لهوية واحدة يشكل قلقاً وضغطاً على السياسة الإسرائيلية، كما أنه يشكل خطراً وتحدياً للنظام العربي القائم الذي لم يشهد أدنى تطور أو تغيير منذ نهاية الحرب الثانية، على الرغم من عواصف التغيير العاتية من حوله.
وسواء كان نتنياهو أو النظام السياسي العربي القائم فإن فكرة الهوية العربية الموحدة ستبقى كابوساً يقلق بعض العرب قبل إسرائيل.

