غير مصنف

قوّاكم الله يا وزارة الصحة

[جريدة القبس 29/12/2020]

تصل قادماً عبر مطار الكويت فيستقبلك فريق طبي من وزارة الصحة لإجراء الفحوصات الاحترازية، ومن ثم تزويدك بتطبيق “شْلونك” الذي يتابع حالتك طوال فترة الحجر المنزلي. البرنامج حاز جوائز تقديرية، وهو يأتي على شكل منظومة صحية وقائية متكاملة، إلى درجة أن هناك أطباء متخصصين عبر الساعة لاستقبال أي شكوى أو عارض صحي للمحجورين في منازلهم، فيتحوّل جهاز هاتفك إلى عيادة افتراضية تتابع حالتك بشكل مهني رائع.
من واجبنا، وبعد مرور ما يقارب السنة على مثل هذا العمل المتواصل، أن نشكر ونثني على جهوزية وجهود وزارة الصحة والقائمين عليها والمتطوعين فيها، فالعمل كان أشبه بالتحدي أمام جائحة مجهولة المعالم ومواطنين يتذمرون دوماً من دكتاتورية الوزارة وإجراءاتها الاحترازية والوقائية التي أعاقت مناحي عديدة من الحياة الطبيعية كان يعيشها أولئك المواطنون.
من الأمور التي قد يسارع بوتيرتها الوباء مؤخراً ما يتعلق بأوجه الاستثمار في القطاع الصحي، فالوضع الصحي اليوم أصبح مرآة عاكسة لمدى تطور بلد ما اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، وبحيث أصبحت الجودة في المؤسسات الصحية مؤشراً على جودة الخدمات التي توفرها دولة ما، وهو ما دعا زعماء العالم في سبتمبر الماضي إلى إعلان سياسي تاريخي في الجمعية العامة للأمم المتحدة تعهّدوا فيه بتحقيق التغطية الصحية الشاملة لجميع سكان الأرض بحلول عام 2030، ولبلوغ هذا الهدف تعمل البلدان على زيادة إمكانية الحصول على خدمات الرعاية الصحية من مؤسسات القطاعين العام والخاص على حد سواء.
لقد شهدت صناعة الرعاية الصحية في العالم كله – والكويت ليست استثناء – تحديات صحية بسبب الجائحة، وتضاعفت احتياجات بعض القطاعات الصحية كالرعاية الأولية والمركّزة والرعاية الافتراضية بشكل كبير، مما يعني أن مشهد الرعاية الصحية سيتغير بشكل كبير، وسيكون كقطاع في قمة هرم الأولويات لأي دولة خاصة بعد أن كشفت الجائحة ضعف أغلب أنظمة الرعاية الصحية، وبما في ذلك دول حققت تقدماً في مناحي عديدة، إلا أنها أثبتت عجزها عن التعامل مع حدث بهذا المستوى. وخير مؤشر هنا ما حدث من أزمة في توفير الكمامات والقفازات الطبية ومواد التعقيم بالرغم من سهولة تصنيعها وبالتالي توفيرها.
وزارة الصحة في الكويت عملت مشكورة بأقصى طاقتها العلاجية والوقائية، وهو أمر يستحق الشكر والثناء والإنصاف كما أشرت، لكننا اليوم أصبحنا نتجاوز مسألة الرعاية الصحية الخدماتية فقط وذلك بعد أن دفعتنا ظروف الجائحة لإعادة النظر في تقييم الرعاية الصحية ومؤسساتها والخروج بها إلى دائرة الاستثمار المستقبلي القائم على تخصيص حصة من الثروة السيادية لدعم مشاريع تدعم علوم طبية وابتكارات وأبحاث علمية في المجال الطبي النظري والمخبري.
حتما لن يكون العالم بعد الوباء كما كان قبله، فالكوارث تخلّف ضحايا ودروساً في آن واحد، والفيروس سيبقى متمرداً على كل إجراءاتنا الوقائية، ففي عام 430 قبل الميلاد ضرب وباء “أثينا” وخلّف ضحايا كُثُراً حتى أطلق عليه المؤرخون “طاعون أثينا”، ويقال إن ذلك كان أول وباء وثّقه التاريخ وكان البداية لسقوط تلك المدينة الحصينة، لأن حكامها لم يُحسِنوا التصرف.
والعالم اليوم عليه أن يكون أكثر يقظة بحكم تجارب التاريخ الوبائية ويُحسِن التصرّف فيعيد النظر في الأولويات، والتي يأتي على رأسها الاستثمار الواعي في الرعاية الصحية، والحد من استنزاف البيئة الطبيعية، واستخدام البيانات العلمية لتقدير وتقييم المخاطر، صحية كانت أم بيئية، فمن دون حلول جذرية للمشكلة البيئية وتلوث الهواء والماء سيبقى العالم مهدداً دائماً بفيروسات شقية، وهو أمر يشترط تغييراً في كل أنماط الحياة وقائية كانت أم علاجية.
شكراً مرة أخرى لوزارة الصحة بكل طواقمها ولا نقول إلا “قوّاكم الله” على جهودكم لإعادة الاخضرار للحياة من جديد.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى