غير مصنف

قوانين حضرات النواب

[جريدة الطليعة 5/2/1997]

تتمتع دول المؤسسات والديمقراطية بمناخ قانوني صارم، وإجراءات قانونية واضحة وصريحة في تعاملها مع الخارجين على قانون الدولة. لذا فقد كانت الصورة في تلك المجتمعات دائماً واضحة وصارمة. فللقتل عقوبته المدونة في قانون الدولة. وللسرقة نصيبها كذلك، كما أن هنالك قوانين لكل تجاوز بحق الدولة والمجتمع.
غير أننا هنا وللأسف الشديد لا نجد ذلك إطلاقاً في تعاملنا مع قضايا الخروج على القانون بشكل عام. فالقاتل يودع في أحد المستشفيات لإصابته “العقلية” والسارق يجد من يبرر له سرقته، ومخالفة قوانين السير والمرور هي دائماً بمعزل عن سطوة القانون وسلطته. وهو أمر لا شك قد دفع بالكثير إلى اليأس من صلاحية القوانين المدونة، حتى لقد اعتدنا أن نسمع دائماً من يتساءل عن العقوبة التي كان بالإمكان تطبيقها على الخارجين على القانون لو إنهم كانوا في “دولة أجنبية” وكما جرت العادة في تسمية الطرف الآخر حين الحديث عن فعالية وجدوى القوانين بل لقد أسرف البعض – ولهم عذرهم – في القانون، بأن رأوا فيها عوامل تتعلق بفروقات شخصية، مهذباً ومستقيماً ومحترماً للقوانين، في مقابل قرينه “العربي” المتحايل على القانون، والمرتشي، والفظ الغليظ.
قد يكون من اللاعدالة بمكان، اتهام شعب أو أمة، بتراجع وتدني في أخلاق أفرادها وفي انصياعهم والتزامهم بالقوانين، غير أنه ومن الطبيعي أن تتفوق أمة دون أخرى في فعالية وصرامة قوانينها، لأسباب لا علاقة لها بالفروقات الفردية، وإنما في تأصل تلك القوانين، وانصهارها في ثقافة تلك الدولة.
وبحيث أصبحت تلك القوانين بديهية وأساسية وممهورة بتواقيع وأختام ساستها ومثقفيها ومؤسساتها.
لقد تزايد الحديث مؤخراً في هذا الوطن عن فعالية وجدوى القوانين، لأسباب تتعلق مباشرة باختراقات وانتهاكات يتسبب بها أولئك المؤتمنون على تلك القوانين، بعد أن أصبحت المؤسسات العقابية تشكو التدخل المستمر لنواب مجلس الأمة في قضايا تتفاوت درجاتها، بين تجاوز الإشارة المرورية، وبين الاتجار في أو تعاطي المخدرات، وبحيث أصبح من المألوف تواجد عضو مجلس أمة في المخافر للتوسط في قضية ما، وبصورة علنية، وهو أمر دفع بالعاملين في تلك المخافر إلى بث شكواهم وتذمرهم من تلك التجاوزات والتي بقيت عالقة ومفتوحة دون أي استجابة تذكر!! البعض، ممن أزعجهم سلوك بعض النواب اللاحضاري في تجاوز صلاحيات الآخرين، وجهوا انتقاداتهم للديمقراطية التي دفعت بالبعض لتولي مهام ومسؤوليات ليسوا أهلاً لها.
وقد لا نلومهم في أحيان كثيرة على تصورهم هذا نظراً لتدني عطاء المجلس، ممثل الشعب والأمة، ولتراجع الحس بالمسؤولية والأمانة الملقاة على عاتق بعض من أوصلهم الشعب للمجلس، غير أن من اللاعدالة إلقاء اللوم على الديمقراطية كنهج وأسلوب حياة، أثبت فعاليته وصلاحيته في كل الأوقات ومع كل الشعوب، بل ولا يجب أن ننكر أن ذلك التذمر والانتقاد من قبل المواطن لمنزلة النائب وعطائه، هو سير في الطريق الصحيح نحو ثقافة ديمقراطية صحيحة. فالديمقراطية في نهاية الأمر، ليست مجالس نيابية ولا هي باستفتاءات شعبية، ولا نصوص مكتوبة، بل هي ممارسة يومية، وثقافة متأصلة في وعي وكيان المواطن قبل المسؤول.
وهي في حصيلتها النهائية إقرار بحق الفرد في الحرية، والمساواة، والأمن. هي إذن إقرار بحقوق الآخرين عملياً وفعلياً، وبناء المؤسسات والعلاقات على أساس ذلك الإقرار والاحترام.
ومن هنا يأتي تجاوز بعض النواب لصلاحيات ومسؤوليات الآخرين من خلال تدخلهم المستمر، سواء في القضايا والعقوبات، أو في توزيع الميزات والوساطة، يأتي كانتهاك لأهم أعمدة الديمقراطية، والنهج الحر!!
فحجب العقوبة عن مرتكب الخطأ يعتبر تعدياً على حق الآخرين في الأمن، والاستثناءات التي يحققها بعض النواب للمخلين بالأمن ولمستحقي العقاب، تعتبر انتهاكاً لحق الآخرين في الأمان والاستقرار.
لا يأتي حديثنا هذا من فراغ، كما وأنه ليس تجنياً على أحد، ولا اتهاماً لأحد.. فجميعنا لا شك قد عايش أو يعايش تقزيماً للقانون أو انتهاكاً لمسؤولية المؤسسات العقابية من قبل نائب من نواب المجلس حتى لقد أصبح الفصل في كثير من مخالفات المرور أو غيرها من الجرائم لا يتعدى مخافر الشرطة.
الديمقراطية لا شك ليست دواء للجرائم الفردية، وليست حلاً لانحرافات المجتمع وأفراده. لكنها تبقى الصيغة الوحيدة التي تنطوي تحتها كل الأطراف في المجتمع الواحد. ويخضع فيها الجميع لما فيه مصلحة الجميع. هي النهج العادل والمنصف الذي يستوعب الحاكم والمحكوم، والذي يملك مع الذي لا يملك، والذين يملكون القوة، كما الضعفاء أيضاً!! ويصبح فيها القانون على الجميع.. دون الحاجة إلى قوانين حضرة النواب الأفاضل.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى