غير مصنف

قفزات الدكتور الشطي

[جريدة القبس 29/4/2001]

في الثامن عشر من أبريل نشرت “القبس” في صفحتها الأولى مقالاً للدكتور إسماعيل الشطي، رد فيه على “مختصر مفيد” الذي تضمن برقية سريعة للدكتور الشطي بعد تصريحاته حول (كارتيل) التجار، ووجدت وأنا أقرأ أنني أقفز بين التزامات الدكتور الشطي الإسلامية وبين طموحاته التجارية، مما أدى إلى شيء من الغموض في بعض ما طرح الدكتور من نقاط!
يرى الدكتور الفاضل أن الاشتراكية تتفق مع الإسلام من حيث مبدأ “الانتصار للضعيف من القوي”، لكنها تختلف معه في الأمور المتعلقة بالدين والقيم والأخلاق! وهو أمر يحوي شيئاً من المغالطة، حيث لم تلغ الاشتراكية، كمنهج سياسي وفكري واجتماعي، الدين، ولم تطرح القيم والأخلاق على منصة الحوار الاشتراكي بدليل أن هنالك دولاً إسلامية عربية وغير عربية طبقت المنهج الاشتراكي دون أن يعترض ذلك التطبيق مسيرة الدين والأخلاق فيها! وإذا كانت تلك المحاولات قد فشلت فالسبب يعود إلى آلية التطبيق التي لم يكن من ضمنها “الانتصار للضعيف” والذي يعتبر في قمة أولويات المنهج الاشتراكي، أما إذا كان الدكتور يعني بذلك المنهج الشيوعي، فلا نتصور أن الدكتور الفاضل قد غاب عنه أن الشيوعية كفكر وكمنهج لاتزال منهجاً على ورق، ولم تطبق وفقاً للبيان الصادر بشأنها!
لقد كان الدكتور الشطي على ما يبدو متأثراً بـ”عدالة” صدام حسين في توزيع الثروة، حين أشار إلى أن هنالك خللاً في توزيع الثروة خلق طبقة عريضة متوسطة الدخل وأخرى موغلة في الثراء دون أن يكون ذلك نتيجة لتميز إبداعي أو كفاح عصامي، لذا فإنه يطالب بأن تعاد الدعوة للمطالبة بتوزيع الثروة. وسؤالي للدكتور الشطي هنا: أن يسمي واحداً فقط من المجتمع الكويتي لم يحصل على ما حصل سواء أكان تعليمياً أم وظيفياً أم مالياً بناء على جهده الذاتي فقط، بما في ذلك دكتورنا الفاضل! وذلك ليس عيباً أو انتقاصاً من عطاء أو مكانة أحد، وإنما ذلك هو واقع مجتمعنا الذي بالكاد آخذ في التمدد نحو مجتمع متعدد ومختلف ومتنوع في تركيبته الاجتماعية والسياسية! وقد اتضحت تلك البداية من خلال ذلك التمدد الواضح في تلك الطبقة المتوسطة في الدخل والتي أشار إليها الدكتور في حديثه مما يعني أننا في الطريق الصحيح نحو التحول دون الحاجة إلى أطروحات الدكتور الشطي اليوتوبية!
بصراحة لم أستطع أن أتابع وجهة نظر دكتورنا الفاضل وهو يقفز بنا في حديثه عن التجارة كمهنة ورجال الأعمال كقوة وطبقة! فبينما هو يرى أن طبقة رجال الأعمال شريحة اجتماعية ذات أهمية، ويطالب بحرية أكبر للتجارة حتى تحتل ٪90 من النشاط الوظيفي في المجتمع، انطلاقاً من قول الرسول c إن “التجارة تسعة أعشار الرزق”، نراه في موقع آخر من المقال يضع اللوم في اختلال الميزان الطبقي في الكويت على طبقة رجال الأعمال التي استطاعت من خلال غرفة التجارة أن تخلق “كارتيلات” ضد المستهلك، على حد قوله! متجاهلاً بذلك كل إسهامات التجار في نشأة هذا البلد ووضع أسسه ولبناته، بل والخروج به من مأساة الاحتلال وما أعقبها، وكل ما نرجوه هنا أن لا تكون قفزات الدكتور الشطي بفعل شطحات تجارية فاشلة، أو طموحات مرهقة حالت دون حلمه الرامي إلى “توزيع الثروة”.
إن المجتمع الذي يزمع الدكتور الفاضل أن ينتشله من هذه “الطبقة المفرطة” يرفض أن يكون الإسلام أداة الدكتور الفاضل في تبرير طروحاته الاقتصادية، أو أن تكون العقيدة سلاحه الذي يشهره في وجه منافسيه “وأن يحرم اكتناز المال”، على حد قوله، من خلال سن ضوابط شرعية لعملية تحرير الاقتصاد، ولا نتصور أن الدكتور الشطي يجهل حجم الأموال “المكنوزة” لدى مؤسسات المال “الإسلامية” في الكويت وغيرها! إلا إذا كان يزمع استثناءها من تلك الضوابط وذلك التحريم؟!
من الواضح أن الدكتور الفاضل لم يستطع أن يخفي حلمه (الشيوعي) حين قفز بنا في نهاية حديثه إلى صدارة التطبيق حين طالب بالسماح بقانون لإنشاء نقابات المهن الحرة على الرغم من عدم وجود مرجعية لذلك في التشريع والمنهج الإسلامي الذي يدعي الدكتور الفاضل أنه ينطلق منه.
نظرياً كان مقال الدكتور الشطي مفعماً بطموحات نظرية، لكن النظرية، وكما يعلم الدكتور، لا تفرض التطبيق النزيه، خاصة إذا ما كان واضعوها من أصحاب القفزات المفاجئة والمغرضة، وكان الله في عون الدكتور وعوننا جميعاً لنفهم طبيعة ومرجعية مثل تلك القفزات!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى