الأرشيف

قضية المواطن “قمبر”

[جريدة القبس 15/1/1996]

لم تخلق قضي المواطن “قمبر” الذي أعلن ارتداده عن الدين الإسلامي واعتناقه المسيحية، جدلاً ولا حواراً.. كان قد توقعه الكثير.. وذلك لحساسية القضية ولندرة حدوثها!! بالإضافة إلى أن الرأي الإسلامي في هكذا قضية واضح ومدون في التاريخ الإسلامي!!
فلقد حظيت القضية بردود فعل بطيئة ومتحفظة إلى حد ما، وإثارة أقل ما توصف بانها متباطئة ومتثاقلة لا تعكس الجدلية التي غالباً ما أثارتها قضايا مشابهة تمس جوهر التسامح في الإسلام!!
هنالك عدة تفسيرات لردود الفعل تلك.. بعضها يرى أن اللامبالاة التي استقبل بها الرأي العام قضية الارتداد هذه تعود إلى التطرف الذي أبداه المواطن “قمبر” في الإعلان عن مسيحيته، سواء في الإصرار على حضور القداس مرتدياً الزي الكويتي أم بوضع الصليب بارزاً أم بالظهور في إحدى المجلات ممسكاً بإنجيل في إصرار غريب على إبرازه في الصورة!! وكل هذه أمور جعلت الكثيرين يرون في نهج المواطن “قمبر” إشارة واضحة إلى تحد للمجتمع وقيوده أكثر مما هي إيمان واقتناع بالتحول إلى المسيحية!!
آراء أخرى رأت في قضية “قمبر” دلالة واضحة على حالة الضجر والسأم التي أصبح يعاني منها المسلم عموماً من تزايد حدة الإرهاب باسم الدين والقتل باسم الإسلام. والتي تفاقمت في عالمنا الإسلامي مؤخراً!!
وأياً كانت الآراء فإن الرأي المؤكد أن قضية “قمبر” قد أتت ثمرها سياسياً وذلك لكونها تشكل مأزقاً حرجاً لتيارات الإسلام السياسي، وخاصة لممثليهم في مجلس الأمة والذين افتتحوا موسمهم الانتخابي في نقاش استعراضي يدعو إلى تطبيق الشريعة – وبما فيها الحدود بالطبع – وذلك في جلسة المجلس الأخيرة!! حيث تعالت أصواتهم مطالبة بالحجر على (مجتمع الأغلال والرذيلة) أي على المجتمع الكويتي.. وبتحجير الجهاز الإعلامي وكبت (نزوات) الترفيه لدى المواطن!! وإقرار قانون زكاة، وإنشاء شركة تأمين إسلامية، وتعيين مستشار للفقه الإسلامي في المجلس، ورفض مشروع السلام العربي الإسرائيلي والإصرار على عروبة وإسلامية القدس!! ثم في نهاية المطالب، وبصوت خافت وباقتضاب شديد، يأتي وجوب القصاص من المواطن “قمبر” كأحد مطالب أقطابهم!! ليس من باب الرأفة والتسامح مع “قمبر” ولا إيماناً بالحقوق والحريات المدونة في الدستور بما فيها حرية العقيدة والاعتقاد!! وإنما إدراكاً منهم لذلك التضارب الذي أوجده “قمبر” بين ما يمثله المنبر البرلماني الذي يتهالك عليه أقطاب الإسلام السياسي وما يرمز إليه هذا المنبر من نظام مدني (وضعي) روماني الاختراع!! وبين مطالبهم بإحلال الشريعة الإسلامية وإلغاء كل ما هو مدني (وموضوع)!!
قضية المواطن “قمبر” قد خلقت جدلاً ما في ذلك من شك!! وهو وإن كان جدلاً صامتاً، فإن ذلك لا يعني أن اللامبالاة واللاتفاعل كانا من نصيب هذه القضية!! الصمت في حالة المواطن العادي.. تعود أسبابه للخوف الذي خلقته موجة الإرهاب الفكري السائدة في حاضرنا، والتي أصبحت تحصر الفرد بين واحدة من اثنتين: إما الدعوة إلى الاستعجال في تطبيق رجم الزناة وقطع يد السارق.. وتحريم المعازف!! وإما أصبح الفرد مرتداً، زنديقاً، ملحداً.. وعلمانياً!!
أما صمت أقطاب الإسلام السياسي فمبرراته وتأويلاته هي كالعادة في متناول اليد، فمن الضرورة مبيحة المحرمات إلى التدرج في كسب المجتمع.. إلى إتباع سبل الأناة والصبر الجميل والطويل!! خاصة إننا نقبل على صراع انتخابي شرس!!
ليس الارتداد عن الدين قضيتنا هنا، وسواء كانت في حالة المواطن “قمبر” أو “فرج فودة” أو في حالة “نصر أبو زيد” فإن الجدل العالق يبقى في مواصفات القاضي بالارتداد!! وما يتطلبه ذلك من عدل ونزاهة تجرد.. وصفات هي في أغلبها أشمل من عدالة البشر القاصرة!! والتي تحكمها طموحات سياسية.. وأغراض برلمانية.. وحاجات دنيوية.. لا شك أربكها سلوك المواطن “قمبر”.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى